المعرفة للجميع
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت من أعضاء المنتدى
او التسجيل ان لم تكن الأعضاء وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

المعرفة للجميع

منتدى للحوار الفكري والمعرفي المتصل بالتربية والتعليم
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
أسماء الله احفظها

{وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (180) سورة الأعراف
القرآن
يمكن حفظ القرآن الكريم
وفق قواعد التلاوة وبكل يسر
من خلال الضغط
على الرابط التالي:


القرآن الكريم
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» ورشه عمل تحديد الاحتيا جات التدريبيه للفتره من 23 الى 27 نوفمبر لعام 2014
أمس في 07:00 من طرف مروة الدار

» فاعليات شهر نوفمبر القاهره _جمهوريه مصر العربيه لعام 2014
2014-08-30, 10:54 من طرف مروة الدار

» ورش عمل وحدة البرامج الخاصة : دبي – الامارات العربية المتحدة للفترة من 22 نوفمبر الى 1 ديسمبر 2014م
2014-08-28, 07:03 من طرف مروة الدار

» فاعليا ت البرامج التدريبيه وورش العمل لشهر نوفمبر 2014
2014-08-27, 07:06 من طرف مروة الدار

» ورشة عمل : إدارة حسابات الحكومة والمال العام للفترة من 2 الى 11 نوفمبر 2014 م .
2014-08-25, 07:54 من طرف مروة الدار

» فاعليات شهر نوفمبر وديسمبر لعام 2014
2014-08-24, 06:41 من طرف مروة الدار

» ورشة عمل : القيادة المتقدمة ومهارات الادارة للفترة من 2 الى 11 نوفمبر 2014 م .
2014-08-23, 07:30 من طرف مروة الدار

» المؤتمر العربي الثالث ( التطوير الإداري في المؤسسات الحكومية ) اسطنبول – تركيا خلال الفترة من 27 الى 31 ديسمبر 2014 م
2014-08-20, 07:17 من طرف مروة الدار

»  ورشة عمل: عرض القوائم المالية ومتطلبات معايير المحاسبة الدولية للفترة من 26 اكتوبر الى 4 نوفمبر 2014 م .
2014-08-19, 06:29 من طرف مروة الدار

»  البرنامج التدريبى : تنفيذ وتقييم البرامج التدريبية دبى – الامارات العربية المتحدة خلال الفترة من 26 – 30 أكتوبر2014 م
2014-08-18, 14:00 من طرف مروة الدار

» ورشة عمل : سلطة التأديب الإداري وضوابطه وضماناته القانونيةمن 26 الى 30 اكتوبر 2014م
2014-08-17, 06:46 من طرف مروة الدار

» البرنامج التدريبيى المهارات المتكامله للسكرتاريه الحديثه
2014-08-16, 08:11 من طرف مروة الدار

» ورشة عمل: التنظيم المحاسبي في شركات التأمين اسطنبول – تركيا من 26 اكتوبر الى 4 نوفمبر 2014 م
2014-08-14, 06:31 من طرف مروة الدار

» ورشة عمل : المعايير المحاسبية المستخدمة في إعداد القوائم المالية من 19 الى 23 اكتوبر 2014م
2014-08-13, 06:34 من طرف مروة الدار

» فاعليات الدار العربية للتنمية الإدارية الربع الاخير لعام 2014
2014-08-11, 07:08 من طرف مروة الدار

»  ورشة عمل: النظم المحاسبية للاجور و مراقبة الوقت و دوام العاملين للفترة من 19الى 28 اكتوبر 2014 م .
2014-08-09, 07:01 من طرف مروة الدار

»  دور محاسبة التكاليف في رفع كفاءة المحاسب الإداري من 14 – 23 سبتمبر – كوالالمبور – ماليزيا
2014-08-06, 07:51 من طرف مروة الدار

» فاعليات وحدة البرامج التدريبية وورش العمل لشهر سبتمبر من 31 اغسطس الى 21 سبتمبر 2014 م
2014-07-22, 08:45 من طرف مروة الدار

» المؤتمر الإقليمي الأول: الصناعات الثقافية والابداعية " نحو اقتصاد ثقافي ناجح " /شرم الشيخ – جمهورية مصر العربية للفترة من 7 الى 11 سبتمبر 2014 م
2014-07-20, 08:55 من طرف مروة الدار

» البرنامج التدريبي: الاستراتيجيات الحديثة لإدارة الموارد البشرية وقياس كفاءة الأداء - كوالالمبور - ماليزيا
2014-07-19, 08:55 من طرف مروة الدار

مواضيع مماثلة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
كمال بوهلال - 2167
 
geographe - 1186
 
نادية - 646
 
yassine - 643
 
محمد - 466
 
محمّد الغريب - 110
 
مروة الدار - 36
 
bahita - 30
 
مهندس/سلامة - 19
 
dali - 12
 
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
عدد الزوار
widgeo.net
الساعة الآن
شاطر | 
 

 العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 30/03/2009
العقرب
المساهمات: 2167

مُساهمةموضوع: العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة   2010-02-28, 15:07

العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة

احمد الملولي

* في راهنية المسألة:


يبدو أنّه "لم يعد بالإمكان أن نفكّر بعد إنشتاين مثلما كنّا نفكّر قبله"..فلقد انتهى الأمر بالعلم في ظلّ التطوّرات التي شهدها انطلاقا من بداية القرن العشرين، بالإضافة إلى ظهور مباحث علمية جديدة (الألسنية، علوم التربية، علوم الاتّصال، المعلوماتية، السيبارنيطيقا) إلى الانثناء على ذاته ومراجعة جملة أسسه ومبادئه ومعتقداته، حيث لم يعد بإمكان منظومة المفاهيم السائدة استيعاب ما تطرحه التطوّرات العلمية من إشكاليات. وقد كان لذلك الأثر المباشر في طرح عديد القضايا ذات الصبغة الابستيمولوجية والفلسفية والمتّصلة بطبيعة المعرفة العلمية.
ولعل أهم ما أفضت إليه هذه المراجعة ظهور مصطلح النمذجة التي تعبر عن وصف لمسار اشتغال العلم وكيفية بناءه أو إنتاجه، لذلك يبدو ضروريا أن نولي مسألة النمذجة وإنشاء النماذج ما تستحقه من عناية قد تسمح لنا ببيان كيف؟ ولماذا؟ ومن أجل من؟ تبنى وتتصور وترسم أو تكتب النماذج العلمية ؟ كما يعد من الضروري أن نتبين مشروعية النماذج التي تبنى وتطبق للتفكير في الواقع بما فيه من ظواهر وسلوكيات.
فإذا سلّمنا مع بول فاليري بأننا "لا نفكر إلا على أساس النماذج" [nous ne raisonnons que sur des modèles ]، وجب أن نفهم كيف تبنى النماذج، وأي منزلة إبستيمولوجية للنمذجة في الثقافة العلمية، وأي قيمة فلسفية للنمذجة؟ أو ما الذي تقتضيه من مهام في علاقة برجل المنطق والإبستيمولوجي والفيلسوف؟ ولعل الصعوبة التي تعترضنا في هذا المقام تكمن في أن اهتمام الثقافة العلمية بالنموذج معاصر، ففي مستوى البحث العلمي يبدو النموذج بما هو وسيلة أو أداة إنتاج وعرض المعرفة مفهوما حدثا، كما يبدو مفهوم النمذجة مستحدثا بحيث لا نعثر في المعاجم المتداولة على تعريف للنموذج وفق ما يفهم في معالجة الظواهر التي تعتبر مركبة، بل لعل حضور فكرة النموذج في التقليد الفكري وتعدد مجال فهمه واستخدامه ما يؤكد هذه الصعوبة نظرا لإمكان الخلط بين دلالة النموذج علميا ودلالته في التقليد النظري، لكن هذه الصعوبة لا ينبغي أن تحول دوننا والتفكير في المسألة إذ غدا النموذج كما النمذجة الكلمة المفتاح على ما يبدو في لغة العلم والعلماء والمهتمين بالشأن العلمي، وهو ما يؤكد راهنية مسألة النمذجة وما يضفي مشروعية على تناولها بغاية بيان منزلة النموذج والنمذجة في الفكر العلمي المعاصر من جهة إبستيمولوجية وفلسفية.

* في علاقة النمذجة بالبرنامج:
يتنزل تناول مسألة النمذجة في البرنامج ضمن توجه عام اتخذ من الكوني مطلبا، وإذا كان العلم بما هو خطاب عقلاني تفسيري لا يتعارض مع هذا المطلب اعتبارا إلى ما تتسم به مبادئه ومنطقه ونتائجه من طابع كوني، استنادا إلى كونية العقل العلمي ذاته، فإنّ مقاربة العلم من جهة النمذجة والقول بأنّ النمذجة هي السمة المميزة للخطاب العلمي اليوم ما يثير بعض الصعوبات في بيان صلة النمذجة بالكوني، فهل يتوافق مطلب الكوني والكلي مع معالجة مسألة النمذجة ضمن برنامج اتخذ من الكوني مطلبا ؟
قد تكون علاقة النمذجة بالكلي إشكالية وتثير كثيرا من الجدل، ولكن يبدو مع ذلك وفي قراءة أولى أو أولية أن مسألة النمذجة في تناغم مع روح البرنامج ومطلبه:
* إذ تعد النمذجة، مسار كل علم مهما كان قطاعه المعرفي، فالنمذجة لا تخص علما من العلوم أو قطاعا معينا من قطاعات المعرفة بل تشمل كل العلوم دون استثناء: العلوم الصلبة أو ما تسمى بالصحيحة أو العلوم اللينة أو العلوم التي لم تبلغ مستوىالعلوم الصلبة، ، ومن هذه الجهة تبدو النمذجة كلية بما أنّ المسار كلي.
* ترتبط النمذجة ببنية كلية تضم التركيبي والدلالي والتداولي أي أن النمذجة بنية كلية تستجيب لكل انتظاراتنا من العلم، إذ تفضي إلى تجاوز القول بأن "العلم لا يفكر" مادام لا يهتم فقط بالإجابة عن سؤال كيف؟ وإنما أيضا عن سؤال لماذا؟ أو من أجل ماذا؟، اعتبارا للطابع التليولوجي للعلم. فالنمذجة تهتم بالنظر كما بالفعل وكأن النمذجة تستعيد العلم بما هو حكمة نظرية وعملية، أي حكمة دافعها الكلي ومطلبها الكلي.
* إنّ من بين مبررات التجاء العلم إلى النمذجة بما هي مسار أو تمشي أن العلم يهتم بالتفكير في المركب ، فالوعي بالطابع المركب للظواهر والأحداث والسلوكيات، هو ما أفضى إلى القول بالنمذجة، وهو ما يعني أيضا أن النمذجة تسمح بالربط بين الاختصاصات المختلفة وتمكن من النظر فيها على ضوء تقاطعها تجاوزا للطابع التجزيئي أو الذري وبالتالي التفكير في الكلي وطلبه.
* تعد النمذجة تأكيدا على الطابع المفتوح للعقلانية العلمية، طالما لا معنى لنموذج مكتمل، وهو ما يؤكد نسبية النماذج، دون أن تفهم هذه النسبية على معنى التشريع لنزعة ريبية في العلم، وإنما تحمل على معنى تأكيد طموح العلم نحو فتح أفق البحث على ما استغلق على العقل العلمي زمن سيادة البراديغم الميكانيكي أو التوجه الوضعي، أي طموح العلم في طلب الكلي، فضلا على أن النمذجة هي تجاوز للمعطى والاكتفاء بالظاهر نحو المنشأ والمبني والمبتكر وكأن العلم يهتم بالبحث عما هو غير موجود وإيجاده، وإنتاج معرفة كلية سواء تعلق الأمر بالعالم الميكروسكوبي أو الماكروسكوبي، الطبيعي أو الإنساني، المتناهي في الصغر أو المتناهي في الكبر أو المتناهي في التعقيد أو التركيب، وهو ما يمكن أن يبرز علاقة النمذجة بمطلب الكلي،وما يسمح لنا بالتأكيد على علاقة التناغم بين النمذجة ومطلب الكلي.


فهل أن هذه العلاقة من البداهة ما يجعلنا نطمئن إليها ونتعامل معها باحتفالية فكرية؟ أم أن الجانب الخفي للنمذجة يمكن أن يكشف لنا عن مسافة بين النمذجة والكلي حتى لا نقول مفارقة النمذجة ومطلب الكلي.
إنّ النظر إلى النمذجة في وجهها الثاني حتى لا نقول وجهها الخفي قد يكشف عمّا يشرع تظننا حول علاقة النمذجة بالكلي:
* إذا ما سلمنا بأن النمذجة تقدّم بما هي نتاج تخلّي العلم المعاصر عن صورة العقل العلمي كما رسمه "لابلاص"، وانهيار اليقين العلمي نتاج ما عرف بأزمة الأسس في الرياضيات وأزمة الحتمية في الفيزياء، فإن ذلك قد لا يعني سوى أن النمذجة هي علامة تفكّك الكلّي، إذ ليس بإمكان العلم أن يكون نتاج النمذجة وأن يدّعي طلب الكلّية؟ ونقض هذا الإدّعاء يمكن أن يتم بالاستناد إلى منجزات العلم ذاته، انطلاقا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي انتهت إلى الإقرار بمحدودية النموذج الهندسي الإقليدي والنموذج الفيزيائي النيوتني وعدم إمكانية سحبهما على كلّ الظواهر الكونية واستبدال التصوّر الآلي البسيط للكون حيث ترتبط كلّ الظواهر ببعضها ارتباطا سببيا خطّيا بتصوّر أكثر تعقيدا (اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر واللامتناهي في التعقيد L'infiniment complexe)[1]. وقد ترتّب عن ذلك تجاوز الاعتقاد في إمكانية بناء نسق واحد من المبادئ والقوانين الشاملة لكلّية الواقع، بالتحوّل من عقلانية منغلقة دغمائية تدّعي الكلّية إلى عقلانية قطاعية منفتحة والتخلّي عن فكرة النموذج الواحد (النموذج الفيزيائي الرياضي) الصالح في كلّ المجالات (النزعة الوضعية).
* والنمذجة من ناحية أخرى هي تمثيل اختزالي للواقع مرتبط بسياق ما، والنموذج يقترن أساسا بالفعل أو يراهن على التحكم والفعل أكثر من مراهنته على الحقيقة والتفسير، فضلا على أنّ النموذج هو إنتاج أو بناء يرتبط بمواضعة بين مجموعة علمية أو تقنية حتى لا نقول أنه يرتبط بمن يقوم بالنمذجة أو بالفاعلين في إنتاج النماذج، إذ لم نعد نتحدث عن العالم بوصفه ملاحظا موضوعيا بل بوصفه ملاحظا مبتكرا، كما لم نعد نتحدث عن العلم بوصفه يحيل على الزوج معرفة/موضوع بل يحيل على الزوج معرفة/مشروع، وهو ما يثير الإشكال في علاقة النمذجة بمبادئ العلم إذ لا يمكن القول بأن هذه المبادئ كلية بل هي جهوية لا في علاقة بالقطاع المعرفي فحسب وإنما في علاقة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والحضاري الذي يحكم إنتاج النماذج، علاوة على ما قد يفيده السياق من تورط العلمي في الإيديولوجي، ويمكننا القول في هذا السياق أن التفكير في مسارات النمذجة يفرض علينا من زاوية النظر الإبستيمولوجية البحث عن الأبعاد الجديدة للعقلانية العلمية بما هي عقلانية حسابية لا تهتم بحساب الأبعاد والتعبير عنها في لغة رياضية كمية فحسب، وإنما بحساب المصالح والغايات أو الأهداف. ولعل البحث عن أصل النمذجة الذي لا نعثر عليه في الفلسفة أو الفن وإنما يعد وليد التطورات التقنية الهائلة ما يؤكد هذا القول. فالثورة الإعلامية وما أفرزته من نشأة اختصاصات مثل علم التحكم أو القرار أو التواصل أو الذكاء الرامز أو الهندسة وغيرها وعدم قدرة هذه الاختصاصات على أن تكتسب صفة العلومية وفق البراديغم الكلاسيكي وحاجتها إلى اكتساب منزلة علمية، ما دفعها للبحث عن طرق ومناهج لتعين بها وجودها وتكتسب بها صفة وحق الانتماء إلى الحقل العلمي، هو ما شرع وأنتج مفهوم النموذج والنمذجة. فهل يمكننا أن نتجاوز مثل هذه القراءة التي تختزل النمذجة إما باعتبارها السمة المميزة للعلم ومتوافقة مع مطلب الكلي أو باعتبارها ما يمثل إعلان التحكم في العلم ومعاييره خدمة لغايات إيديولوجية وما يتولد عنه من إقرار بهوة تفصل النمذجة عن الكلي أو الكوني أو لعلها تعبر عن كوني الموت أو كوني الهيمنة بدل أن ترتبط بكوني الحياة؟.

*الإشكالات النظرية التي تثيرها مسألة النمذجة:
- إنّ النمذجة كما النموذج مصطلحات حديثة في مقاربة العلم وهو ما يجعلها مسألة ملتبسة تحتاج الكثير من النظر والدقة المفهومية خاصة في علاقتها بجملة من المفاهيم المجاورة على غرار البراديغم أو النموذج الإرشادي، أو مفهوم المثل الأعلى العلمي، أو مفهوم المثال الأفلاطوني...فما المقصود بالنمذجة وأي دلالة للنموذج وأي منزلة له في الفكر العلمي؟ هل يعد مجرد انعكاس لواقع معطى أم أنّه إنشاء لواقع لا يتحقق إلا بالقطع مع المعطى؟ هل تمثل النمذجة مجرد مسار أو منهج أو طريقة يتبعها العلماء في بحثهم ليكون بذلك وسيطا نفوض له وظيفة المعرفة أم أنّه مجرد إجراء لتجسيد المعرفة في صور أو رسوم أو بيانات فيزيائية كانت أو مجردة ؟ أم أنّ النمذجة لا تعد طريقة علمية وإنّما طريقة تستعمل العلم؟ وإذا سلمنا بأن النمذجة هي السمة المميزة للعلم اليوم فأي علاقة لها بالمنهج التجريبي في دلالته الوضعية من ناحية وبالباراديغم الوضعي أو الخبري أو الواقعي من ناحية أخرى؟ هل يمكن النظر إلى النمذجة بما هي امتداد للعقلانية الكلاسيكية أم بما هي إعلان عن براديغم جديد مغاير في مبادئه ومعاييره ونتائجه؟ وإذا أخذنا بعين الاعتبار بنية النمذجة أو أبعادها التركيبية والدلالية والبراغماتية، فكيف نفهم العلاقة بين الجانب التركيبي الذي يحيل على الطابع الصوري للنموذج والجانب الدلالي الذي يحيل على علاقة النموذج بالواقع والتجربة والتوقع والتفسير؟ هل أن الواقع هو ما يمثل أساس إنتاج البنية التركيبية للنموذج ليكون الحدس هو منطلق هذا البناء أم أنّ البعد التركيبي يتشكل صوريا ثم يجد مجال انطباقه في الواقع؟ وأي دور ومعنى للتجربة حين يتعلق الأمر بالبعد الدلالي؟ هل تحافظ التجربة على دلالتها الكلاسيكية بما هي ملاحظة مجهزة ومجال إثبات النظرية أم بما هي تجربة افتراضية أو اصطناع يتم بوساطة الحساب الرقمي [الحاسوب] ؟ وأي علاقة بين النموذج والنظرية؟ هل يعد النموذج مجرد تجسيد للنظرية العلمية أم أن النموذج يتماهى مع النظرية؟ أم أن النموذج نظرية ذات بعد عملي؟ أم ينبغي النظر إلى هذه العلاقة جدليا بحيث لا ينتج العالم نموذجه إلا وفق تصور نظري ما قبلي وأنّ النموذج من شأنه أن يعدل النظرية أو يدفعها إلى مراجعة مبادئها ومسلماتها ومفاهيمها؟ ثم هل من معنى للموضوعية في النمذجة والحال أنّ علاقة الذات بالموضوع لم تعد "محايدة" على معنى الموضوعية الأنطولوجية، في مقابل الحديث عن علاقة تفاعلية بين الملاحظ وموضوعه، هي من جنس العلاقة الفينومونولوجية حيث لا يدعي المنمذج أنه يصف الواقع كما هو وإنما يصف الواقع كما يتمثله؟ وكيف نفهم علاقة النموذج في جانبه التركيبي والدلالي بالجانب البراغماتي؟ هل يفيد هذا الجانب بأن العلم قطع مع القطع مع الغائية؟ هل انتهى إلى إعلان علاقته بالغائية على وجه الملأ ليجعل زيجته بها شرعية حتى وإن لم تكن مشروعة، ليقطع بذلك مع علاقة سرية ارتبط بها بالغائية إذ على حدّ عبارة جاكوب كانت علاقة العلم بالغائية شبيهة بعلاقة رجل بامرأة يريدها ويعاشرها دون أن يريد لعشرته معها أن تظهر للعيان. وأي دافع لعودة الروح لمثل هذه العلاقة؟ أو لصالح من؟ هل أن مثل هذا التحول يهدف إلى تحقيق ضرب من المصالحة بين الواقع العلمي والواقع الإنساني تجاوزا للطابع الجاف والمجرد للعلم أم أنّه إعلان عن علاقة عضوية بين العلم ورأس المال تجعل من النجاعة بدل الحقيقة ومن التحكم بدل التفسير القيمة الأسمى للعلم؟ ألا يمكن وفق هذا القول أن نشكك في الطابع العلمي للنمذجة؟ ألا يمكن القول بأن النمذجة ليست مجال اشتغال العلماء وإنّما مجال اهتمام المهندسين ومكاتب الدراسات والخبراء ورؤساء الأموال حتّى إن اعترفنا باعتماد العلماء على النماذج لتوضيح نظرياتهم؟ وبالتالي ألا ينبغي النظر إلى النمذجة لا من جهة أنها مسار علمي حتمه التطور العلمي وطبيعة الظواهر المركبة وإنما من جهة أنها تدعي العلمية لتخفي طابعها الإيديولوجي وتضفي مشروعية على أفعالها؟
- إنّ عنوان المسألة كما ورد في البرنامج [ العلم بين الحقيقة والنمذجة ] يثير لبسا يغذي مثل هذا الجدل، فالعلم بين الحقيقة والنمذجة قد يوحي من خلال كلمة "بين" أنّ الأمر يتعلّق بمقاربة العلم من جهة الحقيقة أو من جهة النمذجة، وكأنّ العلم انزاح عن مطلب الحقيقة نحو النمذجة، أو لكأننا مدعوون إلى الانتصار إلى مقاربة العلم من جهة الحقيقة أو من جهة النمذجة، وما تثيره فينا مثل هذه المقاربة الاختزالية من رجّة في صورة للعلم عاشرتنا طويلا والمتعلّقة بصلته العضوية بالحقيقة إذ لا معنى للعلم مادام لا ينتج حقائق موضوعية كلية صارمة ودقيقة ومادام لا معنى للعلم ما لم يكن خطابا متميّزا عن غيره من أنظمة الخطاب بكونه عقلانية تفسيرية، فهل ينبغي أن نفهم البين على معنى البين بين لا على معنى إقصائي اختزالي بحيث يفيد عندها عنوان المسألة بأن الحقيقة تغيرت دلالتها وسبل بلوغها مقارنة بالبراديغم الكلاسيكي، انزاحت عن معيار المطابقة إلى معيار الصلاحية والفعالية وأن النمذجة هي الطريق الملكي الذي ينبغي إتباعه من أجل إنتاج الحقيقة، أو أنه لا معنى للحقيقة ما لم تكن نتاج النمذجة؟
* في علاقة برهانات تدريس النمذجة:
أخيرا يبدو الاختيار على تدريس النمذجة لتلاميذ الباكلوريا حاملا لكثير من الرهانات:
رهانات نظرية أو إبستيمولوجية:
ـ الكشف عن منزلة النموذج والنمذجة في البناء العلمي وبالتالي الوعي بآليات إنتاج العلم للمعرفة.
ـ الكشف عن علاقة العلم بالواقع وإبراز معنى القول أن الواقع العلمي واقع منشأ وليس واقعا معطى.
ـ تجاوز النظر إلى الواقع بأنه بسيط والوعي بطابعه المركب، وتجاوز النظر إلى العلم بما هو اكتشاف للنظام الكامن خلف الفوضى الظاهرة والوعي بأن العلم هو الذي ينتج نظامه ويحكم تنظيم الأشياء والوقائع.
ـ التأكيد على الطابع المركب للبناء العلمي من جهة بعده التركيبي والدلالي والتداولي.
ـ تبين علاقة النموذج والنمذجة بالنظرية، والوعي بمنزلة الحقيقة في العلم.
رهانات عملية أو إيتيقية:
ـ الكشف عن الطابع التوتولوجي للعلم والوعي بمنزلة الغايات في المعرفة العلمية.
ـ بيان طبيعة العلاقة بين العلم والتقنية وسبل توظيفها في علاقة بالواقع الإنساني .
ـ بيان ما يلف الحديث عن النمذجة من لبس وتظنن من جهة علاقتها بما هو إيديولوجي.

محاذير بيداغوجية:
ـ أوّل هذه المحاذير: ترتبط مقاربة العلم في علاقته بالنمذجة بكثير من التقنيات أو المعارف التقنية والأمثلة الدقيقة التي قد لا يفقه سرها إلا ذوي الاختصاص، وهو ما يعسر إدراجها ضمن مجال إبستيمولوجي أو قراءة ابستيمولوجية موجهة إلى تلاميذ، عسر يتعمق حين نفكر في النقل التعليمي الذي توجبه تعليمية الفلسفة من جهة التمييز بين المعرفة العالمة والمعرفة الواجب تدرسيها، ولعل وعينا بهذه الصعوبة هو الذي قادنا إلى التفكير في النمذجة من جهة إبستيمولوجية لا من جهة تقنية، وهو ما يدعوني إلى التنبيه أنّ الأمر لا يتعلق بتحويل درس الفلسفة إلى درس في الرياضيات أو في الفيزياء وإنما درس من طبيعة إبستيمولوجية، دون أن يعني ذلك عدم التفكير في نموذج علمي فيزيائي أو اقتصادي يمكن أن يقدم كمثال توضيحي للمسألة.
ـ ثانيها: يبدو الاختيار على تدريس النمذجة لتلاميذ الباكلوريا حاملا لمزلق خطير، والمتمثل في تحوّل الدرس إلى محاكمة للعلم بدل الوعي بآليات إنتاجه وقيمته، فرهان تدريس النمذجة قد يبدو ملتبسا على غرار رهان تدريس مسالة الفلسفة والعلم في البرنامج القديم إذ تتنزل مسألة النمذجة ضمن فلسفة ما بعد الحداثة، وهو ما يجعلها مسألة ملتبسة في مجتمع مثل مجتمعنا لازالت تسيطر فيه الخرافة على الأذهان، حتى لا أقول أنه لم يرتق بعد إلى الحداثة، لذلك تحدثت عن مزلق وجب أن نعي بمخاطره، مزلق قد ينتهي بنا إلى النظر إلى العلم على أنه مجرد تمثل لا يختلف نوعيا عن بقية التمثلات دينية كانت أو ميتافيزيقية، فما ينبغي التأكيد عليه في تقديري أنّ "العلم يظل علما رغم كل شيء" وأنّ المهمة النقدية لفلسفة المعرفة تهدف لا إلى تشريع اليأس من العلم وإنّما تحريره من عنف الإيديولوجي أو من عنف كوني الهيمنة.
ـ ثالثها:
قدّم سفر البرامج المسألة مفصلة بحيث ميز في درس أبعاد النمذجة بين البعد التركيبي والدلالي والتداولي، وهو تقسيم من طبيعة منهجية وإجرائية بالأساس، إذ لا نعثر في الأدبيات الخاصة بالنمذجة كما في النصوص السند المقترحة في الكتاب المدرسي مثل هذا الفصل، ذلك أن هذه الأبعاد متداخلة ومترابطة فيما بينها، إذ لا يمكن استحضار البعد التركيبي دون إحالة على البعد الدلالي والتداولي، لذلك يتطلب الأمر بيداغوجيا النظر إلى هذه الأبعاد في ترابطها من ناحية مع التركيز في مستوى إستراتيجية الدرس على مفهوم مركزي في مقابل النظر إلى بقية المفاهيم على أنّها تتنزل في مقام ثان، أي أنّ تخير السند يكون مقترنا بتخير الهدف (البعد التركيبي مثلا) والتركيز في مستوى معالجة السند ومتابعة حركة الأفكار فيه على هذا الهدف.


سوف أعرض هذه المداخلة بدءا بتحديد دلالة النموذج والنمذجة في الفكر العلمي، ثم أنتقل إلى مقاربة النموذج من جهة بنيته أولا ومن جهة وظائفه لأعالج إثر ذلك المقاربة الإبستيمولوجية للنمذجة متوقفا عند علاقة النموذج بالواقع وبالنظرية وبالتفسير والتجريب والموضوعية والحقيقة ثم أعرض الأسس الإبستيمولوجية للنمذجة وأنتهي إلى النظر في بيان الحدود التي يمكن أن نقف عندها من زاوية إبستيمولوجية وفلسفية.
I -دلالة النموذج والنمذجة:
يعرّف النموذج حسب فاليزار" بما هو كل تمثل لنسق واقعي سواء كان ذهنيا أو ماديا، يتم التعبير عنه بلغة أدبية أو في شكل رسوم بيانية أو رموز رياضية" كما يعرّفه دوران بقوله" يشمل معنى النموذج في دلالته الأكثر اتساعا كل تمثل لنسق واقعي مهما كان شكل هذا التمثل". والنمذجة وفق هذا التحديد هي التمشي المنهجي الذي يفضي إلى إنتاج النموذج والذي يعني التمثل لكائن ما يوجد في الواقع ولكيفية اشتغاله ، وتفترض النمذجة أنّ كلّ كائن هو بمثابة منظومة تشتغل على نحو ما، ليكون النموذج منزلا ضمن حقل الفكر النسقي وهو ما يعبر عنه فاليزار بقوله " لا ينفصل مفهوم النسق في الحقيقة عن مفهوم النموذج منظورا إليه كنسق تصوّري لنسق واقعي. وكل نسق واقعي لا يعرّف إلا بالعودة إلى نماذج تصورية (التصورات الذهنية أو التصورات الصورية) وعلى العكس من ذلك فإن كل نموذج يمكن اعتباره نسقا خصوصيا أيا كانت طبيعته فيزيائية (maquette) أو مجردة(ensemble de signes ) "
يجد النموذج أصوله في التقنية، و يفيد الرسم الهندسي أو الموضوع المختزل في مثال مصغر أو في شكل تبسيطي والذي ينتج المشروع (الموضوع) ويعبر عنه ، إذ يمكن أن يخص بعمليات حسابية أو اختبارات فيزيائية لا يمكن تطبيقها على الموضوع ذاته، لذلك اتخذ النموذج طابعا منهجيا، إذ يشير إلى كل الصور أو الإنتاجات التي تخدم أهداف المعرفة.
إنّ الوقوف على الدلالة الجديدة للنموذج تقتضي تمييزه عن دلالات تبدو مجاورة ولكنها مغايرة:
· النموذج والبراديغم:
يفيد البراديغم بحسب توماس كوهن معنى تمثل العالم وطريقة في النظر إلى الأشياء أو نموذجا إرشاديا متناسقا في رؤية العالم يستند على جملة قيم ومبادئ ومعايير وقواعد تتبناها مجموعة علمية معينة وتتواضع بشأنها أو تتفق عليها لقراءة الواقع أو للحكم على الأحداث في فترة زمنية معينة وهو ما يجعل البراديغم قريبا في دلالته من منظومة الأفكار أو البنية المفهومية التي تعتمدها جماعة علمية في البحث والنظر والحكم، وعلى هذا الأساس يختلف النموذج عن البراديغم اختلافا يمكن توضيحه على أساس أن النموذج أو النمذجة إنما يتحرك داخل براديغم معين إذ ترتبط النمذجة ببراديغم الكون المبني في مقابل براديغم الكون المنحوت أو براديغم الإنشاء في مقابل براديغم الاكتشاف، وهو ما يعني أنّ النمذجة لا تعكس امتدادا للعقلانية الكلاسيكية وإنما تعبر عن ثورة علمية التي يفترض قيامها انقلابا على باراديغم سائد والانتقال إلى براديغم جديد.

· النموذج والمثل الأفلاطونية:
لا ينبغي أن يفهم النموذج في معنى المثال الأفلاطوني حيث يمثل النموذج الصورة المثالية التي تتحدد على ضوئها الموجودات وتنتظم، بل على العكس إذ أن النموذج العلمي التقني يقلب صورة النموذج الأفلاطوني بما أنه تمثل عرفاني أو عقلاني لأجسام واقعية متعينة.
· النموذج والمثل الأعلى العلمي:
كما لا ينبغي أن يفهم النموذج على معنى المثل الأعلى العلمي الذي تتخذه بقية العلوم نموذجا تحاكيه وتنحو نحوه على غرار النظر إلى الفيزياء النيوتنية بما هي نموذج لبقية العلوم في المقاربة الوضعية أو النظر إلى الرياضيات بما هي نموذج ينبغي محاكاته واعتباره نموذج لكل خطاب يطلب استيفاء شروط العلومية، إذ لا وجود لنموذج النماذج ولا معنى لنموذج مكتمل حيث تكون خصائص النموذج مطابقة أو ملائمة لخصائص النسق.
· النموذج والصور الحسية:
قد يفهم النموذج على معنى الصورة الحسية أو الرسم الذي يخاطب العيون "فالصورة الحسية للقوانين المجردة للعقل العلمي لا يمكن الإمساك بها دون اللجوء إلى النموذج" على حد عبارة بيار دوهايم كما يمكن أن يحيل على معنى الأصل في علاقة بنموذج الفنان أو النسخة المثالية القائمة على محاكاة الطبيعة أو التصميم الهندسي أو التقني أو الفني أو المعماري أو تمثال الإنسان أو الحيوان بما هو نموذج يرسمه طلاب الفنون للتدرب أو هو المخطط بالنسبة للمهندس القائم على المماثلة الإيقونية أو المشابهة الرمزية أو النموذج المصغر أو الصورة المصغرة، هذه المعاني لا تعبر عن حقيقة النموذج في العلم وإن كانت تكشف عن تجربتنا المعرفية الثرية ومتعددة الوجوه في النظر إلى النماذج، أوالتقاليد القائمة في استخدام النماذج، ذلك أن النموذج وفق هذه المعاني قد يفيد التمييز بين النظرية المجردة والنموذج الواقعي أو الميكانيكي ( وهو ما نفهمه من خلال قول دوهايم خاصة) أو يحيل على معنى محاكاة معطى متعين (كما هو الحال حين ننظر إلى الفن بما هو محاكاة للطبيعة) أو يحيل على معنى المجاز ( la métaphore ) الذي يعد تعبيرا عن محتوى واقعي، فالنموذج علميا لا نستوفيه حقه ما لم نأخذ في الحسبان إمكان أن يكون النموذج مجردا يفيد بنية مفهومية أو بنية من القيم والعلاقات والخصائص مثل برنامج الحاسوب من ناحية، وما لم ننظر إليه في بعده المركب: إذ ليس النموذج انعكاسا لواقع، ليس له واقع بل هو ليس سوى وظيفته: نموذج ل، إنه يحيل دوما على شيء مغاير له أو هو بمثابة المرجع لشيء ووظيفته إنما هي وظيفة تفويضية[Délégation ] "إنه وسيط نفوض له وظيفة المعرفة"[سوزان بشلار].
ينبغي أن يفهم إذن من كلمة نموذج وحدة معرفية أو إدراكية مستقلة تعبّر عن نفسها في شكل علاقات صورية بين مقادير.وانطلاقا من مجموع الفرضيات يسمح النموذج من استخلاص أو اشتقاق جملة من النتائج أو الاستتباعات في صورة نسقية (البعد التركيبي). أما من الناحية التجريبية فيكون للنموذج منزلة ابستيمولوجية هجينة، إذ لا يمكن النظر إليه بما هو نتاج نظري خالص، ولا أيضا بوصفه حصيلة ملاحظات. إنّه ينشئ أيضا حقلا من المفاهيم(موضوعا مفهوميا) مرنا قابلا لمسار متدرج للتعديل (البعد الدلالي ). ومن الزاوية الإجرائية فإنّ للنموذج منزلة عملية أو تطبيقية أصيلة بما أنّه يضم عناصر وصفية وأخرى معيارية، تسمح له أن يكون فاعلا وناجعا وقادرا على تحقيق الغايات التي حكمت إنتاجه ( البعد التداولي ).
إذا اعتبرنا أن النمذجة هي بمثابة مسار إجرائي للمعرفة، وأن النموذج هو وسيط نفوض له وظيفة المعرفة، فإننا نكون إزاء دلالة جديدة للنموذج بما هو تمثيل للمعرفة، وهو ما يقتضي منا أن نبلور معنى النمذجة بما هي مسار يسمح بإنتاج النماذج بضبط خطواتها، فكيف ننمذج؟ .
يمكن تعريف النمذجة العلمية بما هي قدرة على إنتاج نماذج قوامها وعي الفكر العلمي بطبيعة نشاطه العرفاني بما هو صانع نماذج مرتبطة بسياق اجتماعي محدّد.كما تفيد جملة المراحل التي يمر بها الباحث لبناء نموذج ما انطلاقا من المنظومة الملاحظة والتي يمكن اختزالها في :
ـ رسم الحدود الدقيقة للنسق المزمع نمذجته.
ـ التعرف بدقة على عناصر النسق وتصنيفها بحسب خصائصها.
ـ اختيار لغة ما لتمثل هذه العناصر وكيفية تفاعلها(لغة أدبية، إيكونوغرافية أو منطقية/ رياضية).
ـ اختبار النموذج بتشغيله افتراضيا لتعديله عند الاقتضاء.
ـ ضبط الأهداف التي يرجى تحقيقها من إنشاء النموذج في علاقة بسياق ما.
ـ يمكن للباحث في الأخير إمّا تعميم هذا النموذج على أكثر من منظومة أو أن يبني منظومة أكثر تجريدا بواسطة الاستقراء وهو ما يعني أنّ النمذجة مشروع مفتوح.
منقول عن تونيزيا سكول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة   2010-03-02, 18:19

شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 30/03/2009
العقرب
المساهمات: 2167

مُساهمةموضوع: رد: العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة   2010-03-19, 07:15

العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة ( تابع ج2)

احمد الملولي


-IIالنمذجة بين البنية والوظائف
/1النمذجة من جهة البنية: أبعاد النمذجة
قبل الشروع في مباشرة النمذجة نظريا من جهة البنية، سأنطلق من مثال إجرائي، والمتمثل في نموذج الذرة كما بناه بوهر( 1913):
ملاحظة: [ يمثل نموذج نيلز بوهر للذرة تجاوزا لنموذج روذرفورد:
بحسب هذا النموذج فإنّ الجزء الأهم من كتلة الذرة مركز في جزء صغير ذي شحنة إيجابية هو النواة، والكهارب تدور من حولها في مدارات تقرب أو تبعد عن النواة بحسب طاقتها، مثلما تدور الكواكب حول الشمس (نموذج كوكبي)]

المسلمات النظرية لنموذج بوهر:
1. الذرة تتكون أساسا من الفراغ.
2. للذرة نواة تحتوي(فقط) على بروتونات ذات شحنة موجبة.
3. الكهارب تتحرك على مدارات محددة نسميها مستوى طاقة. Niveau d'énergie
4. عندما يمتص الكهرب الطاقة ينتقل من الحالة الأساسية(المدار الأصلي)إلى الحالة المثارة(المدار الثاني).
5.عند انتقال الكهرب من مدار إلى آخر، فإنّ فارق الطاقة بين المدارين يتم امتصاصه أو إصداره في شكل موجات كهرومغناطيسية تحدد قيمة ترددها بمقدار فارق الطاقة بين المدارين مقسوما على ثابت بلانك (يرمز لثابت بلانك برمزH ويساوي6.626.10)
6. عندنا يعود الإلكترون إلى حالته الأصلية يخسر من الطاقة ما يوازي كمية الطاقة الموجودة بين مستويات الطاقة(لا يمكن للكهرب أن يبقى بين مدارين).
المستوى التجريبي أو الإستكشافي
يتعلق النموذج بذرات الهيدروجين.
تحليل ذرات الهيدروجين المثارة في مهبط إشعاعات.
ملاحظة الطيف الضوئي عند تسخين المادة/ ملاحظة أن ذرات الهيدروجين تصدر ضوءا في شكل أشرطة ضوئية يسميها أطياف الضوء.
مادام لكل طيف مقدار معين من الطاقة يخصه، استنتج بوهر:
1/ أنّ كل طيف من هذه الأطياف يتناسب مع طبقة يمكن للكهرب أن يستقر عليها.
2/عندما تسلط على الكهرب حزمة من الطاقة من الخارج، يمر الكهرب من مستوى طاقة إلى مستوى أرفع بقفزة واحدة.
3/ عندما يعود الإلكترون إلى مداره الأصلي فإنه يخسر نفس مقدار الطاقة التي يتلقاها في شكل إشعاع ضوئي
4/ أنّ المتحكم في بقاء هذه الكهارب على هذه المدارات هي الطاقة التي تمتلكها بحيث تغادر تلك المدارات أو تظل عليها بحسب الطاقة التي تمتصها أو تصدرها.

مستوى الفعالية:
* تجاوز قصور نظرية روذرفورد:
عدم توازن الذرة ( يفترض روذرفورد أن الذرة تتكون في القسم الأكبر من الفراغ وتتمركز مادة الذرة في النواة والتي تجعل الكهرب ينحرف بشكل متواصل ويضمحل في الأشعة فوق البنفسجية، وهي أشعة لم يتم ملاحظتها من ناحية، فضلا على أنّ القول بانحراف الكهرب عدّ نقيصة لا يمكن للفيزياء تجاوزها إلاّ بتجاوز مسلمات النموذج ذاته).
* فهم ظاهرة الطيف الضوئي عند تسخين المادة
* تطور فيزياء الذرة واعتمادها في مجال التحكم في الطاقة
* هذا النموذج لا يصلح إلا بالنسبة للذرات التي لها كهرب واحد مثل الهيدروجين
* تحديد طبيعة الضوء سيقود إلى تشكيل نموذج جديد (شرودنجر1925)


ما يمكن تسجيله في علاقة بهذا المثال:
· المسلّمات النظرية تحيل على البعد التركيبي(أوليات، قواعد برهانية، علاقة بين عناصر[الأشعة، الكهارب،المدارات، الطاقة،الطيف الضوئي] ثوابت...)
· المستوى التجريبي أو الإستكشافي يحيل على المستوى الدلالي (علاقة النموذج بالنسق/ الصلاحية النظرية/ الصلاحية التجريبة/)
· مستوى الفعالية يحيل على المستوى التداولي البراغماتي(تجاوز قصور النظرية،فهم ظاهرة الطيف الضوئي، التحكم في الطاقة).

إنّ تأكيد بول فاليري على "أنّنا لا نفكّر إلاّ وفق النماذج"، إنّما يفهم في إطار حضور النموذج في كافّة مجالات الإنتاج الفكري، فما الذي يميّز النمذجة العلمية بما هي إنتاج للنماذج؟ يمكن تعريف النموذج إمّا بالنظر في بنيته أو بالنظر في وظائفه. أمّا من جهة البنية فيتحدّد النموذج وفق ثلاثة أبعاد هي البعد التركيبي والبعد الدلالي والبعد التداولي. وترابط هذه الأبعاد في بناء النموذج العلمي بمثّل تجاوزا لضيق الأفق الوضعي الذي يفرض الترييض شرطا لعلمية العلوم، في حين يمسي الترييض وفق المقاربة النسقية التي تقوم عليها النمذجة العلمية مجرّد بعد دون أن يكون شرطا أساسيا باعتبار أنّ النمذجة حسب لوموانيو Le Moigne لا تختزل في الصورنة. ففيم تتمثّل هذه الأبعاد؟
أ.البعد التركيبي:
يصاغ كلّ نموذج حسب فاليزار[2] في لغة صورية إلى حدّ ما. وتتكوّن كلّ لغة صورية من مجموعة عناصر أوّلية أو رموز ومن مجموعة قواعد منظّمة لهذه الرموز في علاقات قابلة لتأويل دلالي. وبشكل أدقّ يتحدّد النسق الصوري بما هو لغة صورية تقوم على مجموعة أكسيومات (مصادرات) ومجموعة قواعد استنباطية هي ما به تتحدّد المبرهنات. ويكون النسق الصوري إمّا أكسيوميا أو شبه أكسيومي، ذلك أنّ النسق الأكسيومي هو النسق الصوري الذي تكون كلّ أوّلياته ومصادراته وقواعده بيّنة الوضوح، مثال ذلك الميكانيكا الكوانطية. تبعا لذلك ترتبط مستويات صورنة النموذج بنوعية اللّغة المستعملة التي إمّا أن تكون أدبية أو رمزية أو رياضية منطقية. وبحسب اللّغة المعتمدة يكون النموذج رمزيا، كيفيا، معياريا، أو رقميا كمّيا. كما يتكوّن البعد التركيبي للنموذج من ثوابت (constants) ومتغيّرات (variables ) وثابتات (paramétres ) وعلاقات (relations ) [علاقة حدّ أو علاقة إحصائية أو علاقة سببية أو علاقة اشتراط أو علاقة تبعية...]. وعلى مستوى خاصياته التركيبية، يقتضي النموذج أن يكون متماسكا (أن لا يتضمّن مبرهنات متناقضة)، تامّا (أن لا يتضمّن قضايا لا تقبل البرهنة أو الدحض)، مستقلاّ (أن لا يتضمّن مصادرات تحتاج أن نستنبطها من مصادرات أخرى)، قطعيا (أن يتضمّن تمشّيا برهانيا يسمح بالحكم على قضيّة ما بالصواب أو الخطأ)، مشبعا (أن لا يحتاج إلى استخدام أكسيومات إضافية من خارج النسق). ويقوم النموذج في بعده التركيبي على مبدإ الثبات داخل تغيّر الإحداثيات والوحدات.

ب.البعد الدلالي
يتحدّد البعد الدلالي للنموذج، أوّلا في علاقة بالنسق الذي يمثّله وفق علاقة تفاعلية تأخذ بعين الاعتبار المسافة التي تصل بينهما بهدف جعل النموذج أكثر فأكثر ملائمة.
ثانيا في علاقة بمجال صلاحيته التي تتحدّد في علاقة بالملاحظ الذي يقرّ بصلاحية النموذج وفي علاقة بفئة الأنساق التي يكون صالحا في إطارها وفي علاقة بمجال صلاحيته زمانيا ومكانيا.
ثالثا في علاقته بالواقع، "فكلّ نموذج في بعض وجوهه، يمكن أن يعدّ وسيطا بين حقل نظري يمثّل تأويلا له وحقل تجريبي يمثّل تأليفا له"[3]. وتتحدّد طبيعة النموذج بحسب نوعية العلاقة التي له بالمرجع الذي يحيل عليه والذي يعبّر عن بنيته وكيفية اشتغاله، فيكون النموذج تبعا لذلك إمّا شاملا أو جزئيا أو مغلقا أو مفتوحا.
وأخيرا في علاقة بخاصياته الدلالية التي يضبطها فاليزار في الصلاحية النظرية والصلاحية التجريبية والثراء والقابلية للدحض والمرونة والبساطة.
ج. البعد التداولي
يمكن تبيّن هذا البعد على المستويات التالية:
أوّلا من جهة أهداف النموذج بما هو تمثيل لكيفية اشتغال نسق ما بغرض معرفته والتحكّم فيه.
ثانيا من جهة العلاقة بين منتجي النماذج ومستعمليها والفاعلين في النسق على اعتبار أنّ المعرفة التي تقود النموذج هي معرفة موجّهة نحو الفعل و"أنّ الحقيقة ذاتها لا تعدو أن تكون سوى الفعل عينه".
ثالثا من جهة تأثير النموذج في الفرد أو المجموعة على مستوى التمثّلات و التصوّرات والأفعال وتأثيره في الواقع وما يمكن أن يحتمله النموذج ذاته من تعديلات وفق ما تسمح به القيم الاجتماعية والوسائل التقنية المتاحة.
رابعا من جهة معاييره التداولية، حيث يشترط في النموذج أن يكون ذي أداء ثابت وايجابي، بسيطا، مرنا، وقابلا للتوظيف.
مثال من علم الاقتصاد
البعد التركيبي
دراسة العلاقة بين الاستهلاك C والدخل R
تصاغ العلاقة على النحو التالي: C=aR+b حيث تكون a مُعامل (Coefficient) ايجابي وأصغر من واحد وحيث تكون b ثابتة (Constante)
وفق هذه الصيغة الدخل R هو الذي يحدّد الاستهلاك C، أمكن تبعا لذلك التساؤل ما الذي يحدّد الدخل؟ (مثال الأجر...)
إذا كان النموذج لا يقدّم إجابة عن هذا السؤال فذلك لاعتبار الأجر أو الوظيفة... متغيّرات خارجية أو عوامل مشوّشة
البعد الدلالي:
وهو يتحدّد تبعا لما إذا كنّا نعني بالدخل Rوبالاستهلاك C دخل الفرد أم دخل المجموعة.
إذا تعلّق الأمر بدخل الفرد نكون إزاء نموذج ميكرواقتصادي وإذا تعلّق الأمر بدخل المجموعة نكون إزاء نموذج ماكرواقتصادي.
البعد التداولي
يتحدّد ذلك في ضوء كيفية استعمالنا للنموذج بما هو نموذج وصفي أو معياري.
2/ النمذجة من جهة الوظائف: وظائف النموذج
يمكن أن نقارب النموذج من جهته وظائفه والتي يمكن اختزالها في ست وظائف يمكن أن نجد لها حضورا في كل نموذج، الوظيفة الأولى والثانية من طبيعة تركيبية وتتعلق باللغة التي يعبر بها النموذج والتي تؤمن إمكانات الفهم والتفسير بالنسبة لمبتكر النموذج والثالثة والرابعة من طبيعة دلالية وترسم علاقاته بالعالم الواقعي على قاعدة أواليات الأمثلة والجمع أي أن ابتكار نموذج يعد بمثابة المثال المصغر للواقع دون أن يكون انعكاسا مباشرا للواقع، أمّا الوظيفتان الأخيرتان فهي من طبيعة براغماتية أو تداولية وتتصل بالإدماج الاجتماعي للنموذج الخاضع إلى مسار سياقي وتعميم المعرفة.
سوف نعرض كل وظيفة من الوظائف المعلنة بالتركيز على مفهومها النواتي والإسهامات المتعلقة بفعل النمذجة والخصائص المطابقة المنتظرة من النموذج.
أ.الوظيفة الرمزية :
يفهم النموذج أساسا بما هو دعامة لمفهمة الظواهر في لغة دقيقة وصارمة. إذ يعرف النموذج بنيويا بما هو مجموعة من العلاقات (غالبا ما تكون احتمالية) بين عناصر. هذه العناصر ليست مجردة بشكل خالص وتحيل على نسق مادي واقعي أو افتراضي. لذلك يسمح كل نموذج بضرب من الترميز أو التمثيل الرمزي لنسق سواء كان محينا/راهنا أو خياليا أو افتراضيا، ليكون بذلك قابلا للفهم أو التأويل بلغة، متوافقة مع عناصره ومحددة لخصائصه وللعلاقات القائمة بين هذه الخصائص داخل النموذج.
إنّ القيمة المنتظرة للنموذج في مستوى الوظيفة الرمزية، إنما تتحدد بقدرته التعبيرية، أي قدرته على تحقيق ضرب من التوافق بين طابعه الصوري وتأويله.
ب. الوظيفة القياسية:
يبدو النموذج أيضا بمثابة وسيلة للتفسير أو الفهم وصورنة الظواهر، فالنموذج يقدّم أوّلا في صورة مجموعة من الفرضيات تلخص خصائص النسق الذي تم تمثيله، ويسمح ثانيا وبشكل خاص من استنباط جملة الاستنتاجات المتولدة عنها.فكل نموذج إنما يشتغل وكأنه محرك استدلالي يسمح بترميز نتائج مجموع الفرضيات. ليكون النموذج أساسا للفهم أو التفسير الذي يأخذ بعين الاعتبار بعض الظواهر انطلاقا من مبادئ عميقة ولكنه أيضا يمكن أن يستحيل مجرد لعبة صورية بين فرضيات واستنتاجات تتعلق بعالم افتراضي.
يكون لفرضيات النموذج مزية القوانين البينة والتي تسمح بالمعالجة أو التحكم اليسير في الظواهر. فهذه الفرضيات تملك القدرة على حصر الظواهر وإحصاءها بشكل شامل رغم ما تملكه من قابلية للمراجعة، كما أنّها تبنى بطريقة تكون فيها كل فرضية مستقلة وهو ما يسمح باستبدالها بفرضية أخرى خاصة في النماذج التي تقدم في صورة نسق من المصادرات. وتستنبط النتائج بطريقة صارمة من الفرضيات سواء بطريقة تحليلية

(البرهنة الرياضية) أو عن طريق الاصطناع الرقمي(الحساب عن طريق الناظم الآلي)، إذ يمكن بلوغها عن طريق مسار استدلالي قادر على تناول علاقات عديدة ومركبة.
من جهة الوظيفة القياسية، فإن القيمة الأساسية للنموذج تكمن في صلابته، أي في قدرته على ربط الفرضيات بالنتائج.
ج. الوظيفة التجريبية:
يقدّم النموذج بما هو إطار قوي لمواجهة أفكار أو تصورات نظرية بمعطيات خبرية اصطناعية. فالنموذج ليس مجرد وسيط غائم بين نظريات خالصة غالبا ما تكون صارمة وبين أحداث نمطية ومحلية، إذ يمكنه البحث عن معادلة خبرية أكثر دقة مع المعطيات الموجودة (العفوية أو المثارة) المتعلقة بنسق واقعي. كل نموذج تبعا لذلك ييسر صلاحية صارمة لمعطياته النظرية في علاقة بمعطيات خبرية ليكون عندئذ موضوع مسار للنمذجة لا يفضي إلى نمذجة نسق ما إلا حسب بعض السمات ووفق بعض الحدود.
إن المقاربة الإسقاطية التي تعنى ببيان صلاحية نموذج موجود عبر مواجهته بالمعطيات تبدو ناجعة جدا.فمن جهة يسمح النموذج بيسر من إبراز الاستتباعات القابلة للاختبار، والتي تعبر عن نفسها في شكل علاقة بسيطة بين عناصر قابلة للملاحظة، ومن جهة أخرى من اختبار صلاحيتها على أرضية المعطيات التجريبية المتوفرة. وتكون المقاربة الاستقرائية التي تهتم بإبراز الملاحظات من البنى الممكنة للنموذج،جد صلبة. فمن جهة تسمح الوسائل الإحصائية من بيان عدد غير قليل من المعطيات الخام المحددة بضوابط خبرية مكونة بذلك أحداثا أو وقائع نمطية، ومن جهة أخرى كثيرة هي الطرائق التي تسمح من إنشاء نماذج تفسيرية انطلاقا من وقائع عبر ضبط منظومات من الثابتات للعلاقات.
من وجهة نظر الوظيفة الخبرية، فإن القيمة الأساسية للنموذج إنما تكون في مصداقيته، أي في قدرته على التعبير عن البنية الدنيا للظاهرة.
ويمكن الملاحظة بأن الفروق بين النموذج والواقع تبدو كثيرة وأكثر حدة في العلوم الاجتماعية مقارنة بعلوم الطبيعة، ففي علوم الطبيعة يمكننا أن نفكر من جهة الظاهرة الأساسية والأعراض، في حين أن كل العوامل في العلوم الاجتماعية تبدو لها نفس القيمة ومؤثرة سواء كانت أساسية أو عرضية. علاوة على أن الفوارق بين النموذج والواقع في علوم الطبيعة يمكن النظر فيها ومقارنتها وحتى قياسها بأكثر يسر منها في العلوم الاجتماعية، فالتفاعلات الميكانيكية تخضع لقوانين معروفة وإن بشكل تقريبي في حين يكون تحديد الكلفة الاقتصادية للبحث عن المعادن أو للمعاملات التجارية أكثر عسرا.
د. الوظيفة الاستكشافية أو الإستشرافية:
يقدم النموذج أيضا بما هو وسيط معرفي زمن ثبات المعرفة واستقرارها أو زمن تطورها وما قد تشهده من تحولات.إذ تسمح النماذج من تثبيت المعرفة القائمة في اختصاص معين في شكل وحدات بسيطة ومستقلة ومتمفصلة فيما بينها،ولكنها تلعب خاصة دور الأساس الذي يضمن تطور المعرفة في الاختصاص، بفعل دوافع خارجية أو معطيات داخلية. وبحكم وحدة لغة المعرفة ووحدة مبادئها تمثل النماذج وسيلة أساسية لبلورة المعرفة. وعلى هذا الأساس تخضع النماذج إلى ضرب من التراكم والذي يفضي إلى إثراءها عبر الزمن عن طريق عمليات إعادة القراءة أو إعادة التأويل المتعاقب، إذ لا وجود لنموذج مكتمل.
من جهة تزامنية تيسر النمذجة عملية مقارنة المعارف، ومن جهة تطورية أو تعاقبية فإن النمذجة تيسر تطور المعارف. ويكون تطور النماذج قائما على ثلاثة أصناف من العمليات الصورية، مقترنة في الغالب بمتابعة تأويلية دلالية، إذ يمكن لنموذج أن يتسع مجال تطبيقه(توسيع) أو يتخذ صورة تحليلية مخصوصة (تقليص)أو أن يتلقى أساسا أعمق(تجذير).
من جهة الوظيفة الاستكشافية فإن القيمة الأساسية للنموذج إنما تكمن في سعته أو خصوبته أي قدرته على إحداث أو توليد نماذج متنوعة (كما سنتبينه من خلال نموذج الذرة لاحقا).
ه. الوظيفة التطبيقية أو العملية:
يعد النموذج أداة فاعلة للتوقع والبرمجة في خدمة التحكم والقرار. لتحقيق ذلك يتوجب أن يترجم النموذج في شكل تجريبي وهو ما من شأنه أن يحقق القدرة على التحكم والفعل في الوضع الذي يراد السيطرة عليه، وهو ما يقتضي ارتباط النموذج بشكل أولي بوسائل فعل بغاية تغيير الوضع وبمبادئ أو قواعد تسمح بالحكم عليه. يخضع كل نموذج بشكل قصدي إلى مسار أو سيرورة ملائمة مع المحيط وبعض المشاكل التي يثيرها، ليخضع بذلك إلى سيرورة توافق مع السياق وهو ما يفضي إلى التحري بشأن وضعيات معلومة أو استكشاف وضعيات لم تختبر بعد أو حتى وضعيات قصوى لا يمكن أن نطالها، ويمكن للنموذج أن يلعب دورا "سحريا" حين يضطلع بمهمة القرينة أو الإثبات بغاية تعليل بعض التوقعات أو التعليمات أو الوصفات المقررة. وتكون التوقعات المحددة بواسطة النموذج واضحة ومحددة لأهدافها، إذ يمكن النموذج من ضبط كل الاحتمالات أو الإمكانات المستقبلية.
إن مسار التوافق مع السياق إنما يهدف إلى استخلاص القيمة التقريبية للنموذج في اتجاه استخدامه لتحقيق أهداف محددة يتم ضبطها مسبقا والتوافق بشأنها، هذه التحديدات التقريبية تحمل على وسائل الفعل وعلى بنية النموذج ذاته وعلى المعايير التي تسمح بالحكم على النتائج التي تم تحقيقها، بحسب طبيعة النموذج (حدثي أو ضد ـ حدثي ): إذا كان النموذج حدثيا أو متوافقا مع الحدث [pro factuel] فإنه يسمح باستكشاف أشياء موجودة بالقوة أو كامنة ( قابلة للتحقق في سياق جديد أو مغاير) أو افتراضية(قابلة للتحقق في سياق أقصى بالتخلص من بعض الضوابط أو الضغوطات). أما إذا كان النموذج ضد- حدثي أو غير متوافق مع الحدث [contrefactuel ] فإنه يعالج إمكانات الظاهرة أكثر من واقعها بحيث يقدم إجابة أو حلولا نظرية لمشكل أو قضية نظرية.
من جهة وظيفته التطبيقية تكون الخاصية الأساسية للنموذج في إجرائيته أي قدرته على معالجة المشكل المزمع توضيحه بضرب من النفعية.

وفي هذا الإطار تكون غايات النماذج في علوم الطبيعة أكثر وضوحا منها في علوم الاجتماع، ففي علوم الطبيعة يوجد محدد/ مقرر واحد يستند إلى النموذج ليحقق هدفا واضحا، أما في علوم الاجتماع فنكون إزاء عدد كبير من أصحاب القرار يتبعون نماذج متعددة ومختلفة ويهدفون إلى تحقيق غايات مختلفة حتى لا نقول متعارضة.
و.الوظيفة الخطابية
يفهم النموذج أخيرا بما هو صورة حدث يسمح بإنتاج خطاب وجيز وبنقل أمين للمعرفة،إذ يعتبر النموذج وسيلة بيداغوجية ناجعة بالنسبة للمختصين كما بالنسبة لطلبة اختصاص ما.ولكنه يعد أيضا وسيلة تواصل ناجعة مع غير المختصين سواء تعلق الأمر بوسائل الإعلام أو بوسط اجتماعي أو مهني، إذ يعد موضوع رسالة تؤمن بث الأفكار وإذاعة المعرفة، ويسمح النموذج بتحقيق تواصل ناجع،وبذلك تسهم النماذج في تحقيق ضرب من تراتبية اجتماعية للمعرفة.
من جهة وظيفته الخطابية، تكون الخاصية المميزة للنموذج في نفاذه أي قدرته على أن يكون مقبولا بوصفه معرفة لا تقبل الشك.




منقول عن .cultuvanet.com


عدل سابقا من قبل كمال بوهلال في 2010-03-19, 07:22 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 30/03/2009
العقرب
المساهمات: 2167

مُساهمةموضوع: رد: العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة   2010-03-19, 07:20


العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة ( تابع ج3)

احمد الملولي


III -إبستيمولوجيا النمذجة:الأسس والقيمة
يتنزل الحديث عن النموذج والنمذجة ضمن الفكر النظامي (systémique) أو النسقي، ولا يهتم النسق العام بطبيعة النموذج موضوع الدراسة سواء كانت فيزيائية أو بيولوجية أو اجتماعية، وإنما يعمل على استخراج ما يعد ثابتا أو خاصية مشتركة بين النماذج من جهة البنية أو من جهة الوظيفة.
إن التساؤل عن الأساس الإبستيمولوجي للنمذجة، يفيد التساؤل من ناحية عن الدوافع التي ولدت فكرة النمذجة بما هي السمة المميزة للبحث العلمي من ناحية وعن طبيعة المعرفة العلمية منظورا إليها بما هي إفراز للنمذجة.
* يبدو كما ذكرنا آنفا، أن أزمة الأسس في الرياضيات وأزمة الحتمية في الفيزياء، وما تولد عنها من أزمة اليقين العلمي وتهاوي الصورة التي ترسخت عن العلم بما هو خطاب تفسيري كلي ومطلق وتأرجح العلم بين الضرورة والمواضعة وتأرجح الحقيقة بين المطابقة والصلاحية والحديث عن أزمة المنهج التجريبي وتحديدا التراجع عن دور التجربة ومنزلتها بما هي معيار اليقين العلمي،.كما أنّ ظهور علوم أخرى أنتجتها التطورات التقنية والتكنولوجية الهائلة وخاصة على إثر الثورة الإعلامية: علم التحكم – القرار- التواصل – الذكاء الرامز- التكنولوجيا التقنية – الهندسة – التربية – البيداغوجيا- التنظيم الخ... هذه العلوم مثلت امتدادا لسلسلة اللايقين الذي أفرزته الميكانيكا المعاصرة في دراستها لظواهرها، واللايقين هنا ليس لا يقينا في مستوى النتائج فحسب بل أيضا في مستوى الانتماء أو التحدد كعلم، فصفة العلم لم تعد تصح على هذه العلوم الجديدة. عوامل حتمت ضرورة مراجعة تصورنا للعلم وللمعرفة العلمية لتكون بذلك النمذجة الحل لتجاوز الشك الذي أصبح يحيط بالعلم وبالمعرفة العلمية.
إن النظر إلى النمذجة بما هي تجاوز للتمشي المنهجي في العقلانية الكلاسيكية يعني فيما يعنيه تغير نظرتنا للمعرفة العلمية ذاتها في علاقة بالواقع أساسا، إذ تفترض النمذجة تجاوزا للعلاقة التقليدية بين العلم والواقع، وإقامة علاقة جديدة لا يمكن أن تفهم إلا على أساس تحديد منزلة المعرفة : هل هي معطاة ، موجودة بشكل سابق عن تدخلاتنا النظرية، هل هي تفسير موضوعي للوقائع التي نتصورها على أساس علاقات قائمة بين أسباب نكتشفها[ براديغم الكون المنحوت/ المصنوع الذي صاغه نيوتن وسيطر على نظرية المعرفة طيلة قرنين من الزمن] أم أن المعرفة هي بناء نظري ، تمثيل كشفي أو قصدي للسلوكيات أو للعلاقات التي نتصورها بحسب غايات أو أهداف نبتكرها[ براديغم الكون المبني الذي بدأ أرخميدس في نحته وتواصل مع دي فينشي وبول فاليري وغاستون بشلار وجان بياجي وسيمون وإدغار موران] هذان النموذجان الإرشاديان(البراديغمان)، الأول براديغم الاكتشاف(كشف واقع) والثاني براديغم الإنشاء(بناء تمثلات عقلانية)، يحيلان على ضربين من المعرفة: معرف/موضوع والتي تقوم على الوصف والتفسير باستخدام لغة الرموز الرياضية. أما الضرب الثاني من المعرفة فيتعلق بالزوج معرفة/ مشروع: ولعل رمز النحلة والمهندس الذي أشار إليه كارل ماركس إنما يقترح تصورا للنموذج ـ التمثيلي لمعرفة ترتبط ببراديغم المعرفة/المشروع، فنموذج الخلية يبنى في ذهن المنمذج قبل أن تكون الخلية معروفة، أو قبل أن تكون إن شئنا موضوع معرفة، هذا المثال يقدم لنا صورة المعرفة العلمية المنشأة أو المبنية والتي تفترض أن الواقع العلمي ليس معطى مادمنا لا ننشئ إلا ما ليس موجودا، فالبراديغم القائم على منطق الاكتشاف يرفض كل محاولة للإنشاء أو البناء،أمّا الابتكار والتصور فيعني البحث عما ليس موجودا وإيجاده، والبحث وإيجاد ما لا يوجد لا يحيل على براديغم معرفة موضوع ما وإنما بناء معرفة لمشروع ما.
· النموذج والنظرية
قد يفهم من النمذجة، أن النموذج هو مجرد حلقة في مسار النمذجة،أو هو مجرد تجسيد لمشروع نظري أو تطبيق لنظرية مما يوحي بأن النموذج تمثيل حسي أو شكلي لنظرية تم إنتاجها سابقا، مثل هذا الفهم يبدو تبسيطيا وسطحيا وفق ابستيمولوجيا النمذجة، إذ أنّ النموذج سواء كان إيقونيا رمزيا أو صوريا، أو تصميما هندسيا يفهم على أنه نبع معرفة وليس نتاج المعرفة فهو لا يصف أو يعرض معرفة/موضوع وكأنه مجرد مثال، فهو يقدم معرفة/مشروع بصورة ماقبلية والتي لا توجد بشكل مستقل أو لنقل أنّ النموذج يوجد معرفته الخاصة،إذ تنتج المعرفة/المشروع وتتمثل بواسطة تصور النموذج وليس بالتحليل. وعلى هذا الأساس فإن طريقة بناء النموذج لا تتبع منهجا تحليليا (تحليل فاستنتاج) وطرق بيان صلاحية نموذج لا تكون من نمط الفرضي الإستنتاجي التجريبي،إذ يتبع في بناء النموذج طريقة [ projective/systémique] البرمجة والتي تفيد القصد ـ التصور وطرق إثبات المشروعية تكون أكسيومية أو شبه أكسيومية استقرائية تداولية أو براغماتية، إذ على المنمذج أن يحدد مشروعه (مصادراته، نظريته في المعرفة) وأن يتوافق على أنّ المعرفة التي يمثلها هي تجسد وفعل معرفيين أو عرفانيين، وهو ما يؤكد أن النموذج ليس مجرد تمثيل حسي لنظرية بل ينبغي النظر إليه بما هو نظرية تبنى عقليا وتتميز ببنية مركبة مادامت تضم في آن بعدا تركيبيا وبعدا دلاليا وآخر تداوليا، والحقيقة أن علاقة النموذج بالنظرية هي علاقة ملتبسة من خلال العودة إلى مواقف المهتمين بالنمذجة والقائمين بها، فإذا كان لوموانيو في كتابه الإنشائية أو البنائية يشدد على ضرورة النظر إلى النموذج بما هو نظرية، بما أنه تصور أو تمثل مثالي للواقع وليس مجرد تبسيط أو رسم اختزالي يجسد النظرية، ذلك أن بناء النموذج يحتاج إلى تصور ما قبلي عقلاني يحدد الأسس النظرية، وإلى تحديد ضرب من التأويل يصل هذه الأسس بواقع جهوي افتراضي ، وإلى ضبط جملة الأهداف التي تحكم بشكل قبلي إنتاج النموذج بما هو مشروع، فإن مولود في مقاله المدرج ضمن الموسوعة الفلسفية يؤكد أن النموذج هو نتاج نظرية وحامل لنظرية والعلاقة بين النموذج والنظرية هي علاقة جدلية طالما أنّ النظرية هي التي تحدد إنتاج النماذج في نفس الوقت الذي يؤثر النموذج بحكم التجارب حتى وإن كانت افتراضية في النظرية مما يفيد أن النمذجة تؤكد الطابع المفتوح للنظرية والطابع المرن للنموذج، لمزيد فهم العلاقة بين النموذج والنظرية، يجدر بنا استحضار شكل العلاقة بين النمذجة والتجريب وبيان دلالة التجربة ومنزلتها في عملية النمذجة ذاتها.
· النمذجة والتجريب:
" بتوسط النموذج ترتبط النظرية بالتجربة" على حد عبارة لادريار في كتابه رهانات العقلانية، إذ يمكن أن تقترح التجربة تعديلات على النظرية / النموذج كما يمكن أن تؤول النتائج التجريبية في حدود النظرية وبذلك يعدّ النموذج وسيلة أو وسيطا لا ينبغي أن يتم الخلط بينه وبين الواقع، إذ "أنّ الخريطة ليست الأرض"، كما أنّ التجربة لا ينبغي أن تفهم على معنى خبري أو بما هي منطلق البحث ومنتهاه على غرار التجريب في البراديغم الوضعي، فالتجربة يمكن أن تكون عفوية أو مثارة، ويمكن أن تكون مخبرية أو افتراضية، ومن المؤكد أنّ معيار صلاحية نموذج ما لا يتحدد بالواقع المعطى وإنما بالتناسق والانسجام داخل بنية النموذج النظرية من ناحية وبفعالية النموذج من جهة براغماتية أو تداولية من جهة أخرى، إذ تفترض عدم قابلية النموذج للتحقق واقعيا عجز الواقع المباشر على استيفاء النظرية، أو أنّ النموذج يتسم بعقلانية أكبر مما يكون عليه الواقع المعطى، فضلا على أن بعض التجارب تبدو مستحيلة بالنظر إلى الكلفة الباهضة للتجارب، وهو ما يؤكد أيضا أن معيار صلاحية النموذج إنما تتحدد بضرب من المواضعة أو الاتفاق بين المجموعة العلمية، وحتى "إن كان البناء مستمدا في جانب منه من المعلومات المسبقة عن خصائص المواضيع فإن النموذج يعيد تشكيلها انطلاقا من مقولات خاصة".وفق قول لادريار العلاقة مع الواقع تقوم على الفرضية لا بمعناها الكلاسيكي الذي جعل منها إمكانية للتحقق عيانيا أو تجريبيا، وإنما هي افتراض أي أنّ النموذج لا يخضع للفصل الكلاسيكي بين النظر والنظرية بل يقيم تشابكا [imbrication] بين النظر والفكر فيكون أداة النظر la visibilitéوأداة التعقل l’ intelligibilité لهذا الواقع الافتراضي virtuel. فالمفهوم الأساسي الذي تقوم عليه عملية النمذجة هو مفهوم التعقلية الذي يمكن من نمذجة الأنساق المعقدة وحل مشاكل الواقع.
· النمذجة والتفسير أو الفهم:
ترتبط النمذجة بالملاحظ المبتكر [OBSERVATEUR CONCEPTEUR ]، ويؤكد لوموانيو أن المعرفة المبنية أو المنمذجة ذات طبيعة فينومينولوجية، والتي بموجبها لا يمكن أن نفصل
بين الذات العارفة والظاهرة موضوع المعرفة، أمّا الفرضية الثانية فمن طبيعة تيلولوجية(تدرس التيلولوجيا نظام الغايات أو نسق الأهداف) تتصل بالهدف الذي يحرّك الذات العارفة لمعرفة ظاهرة أو موضوع ما. تنظر هذه المقاربة الإبستمولوجية إلى المعرفة بما هي "معرفة فاعلة " على حد عبارة لوموانيو ، بحيث لا ينبغي البحث عن التفسير وإنما عن تمثلات يمكن لنا إبداعها.
يفيد الفهم الإنجاز [ أنا أفهم يعني أنا أنجز أو أجسد] على حد عبارة لادريار. فعوض أن نفرض على النموذج مهمة تفسير الكون (ميكانيكي أو سببي أو ديناميكي أو طاقي) ، يمكننا أن نبني وأن نشرع النظر إلى العمل العلمي [النمذجة] بما هو نماذج للفهم (روني توم) أو بما هو وسائط للعقلنة (سوزان بشلار)، أو بما هو تمثلات إجرائية يمكنها أن تلعب دور الفعل، " لم أعتقد أبدا في التفسير" على حد عبارة بول فاليري والذي يضيف "ولكنني اعتقدت في ضرورة البحث عن تمثلات على أساسها يمكننا أن نفعل، كما لو كنا نشتغل على خريطة، أو كما يشتغل المهندس على رسم منجز... والذي يمكن من الفعل".
· النمذجة والحقيقة:
تقترح ابستيمولوجيا النمذجة معرفة بوصفها تمثلا، أو نموذجا يسمح لنا الفهم الذي يقدّمه لنا بشأن ظاهرة ما الفعل فيها طالما " أنّ الحقيقي هو الفعل ذاته " أو طالما " أنّ الحقائق ليست أشياء تكتشف وإنما أفعال نقوم بها، إنها أبنية وليست كنوزا".
على غرار فلسفة ما بعد الحداثة، فإنّ هذه المقاربة قد تتهم بالنسبية العدمية، وقد تفهم على معنى تأكيد النزعة الريبية في العلم والمعرفة العلمية وقد تربك صورة العلم التي عاشرتنا طويلا، وهو ما يستبعده دعاة النمذجة والمدافعين عن مشروعيتها، إذ يعتبرون أنّه إذا لم يكن بالإمكان تأسيس اليقين الذي يسمح لنا بإنتاج معرفة حقيقية، فإنه بالإمكان في نظرهم إنتاج معرفة على صورة السنفونية أو اللحن الموسيقي الطويل المركب،فلا يمكننا وفق هذه المقاربة الحديث عن المعرفة وكأنها بناء معماري تكون قاعدته صخرة ثابتة عليها تتأسس المعرفة الحقيقية ولكن يمكننا أن نقيم مباحث متعددة تترابط فيما بينها وتنتج معرفة مختلفة في دلالتها عن التصور الكلاسيكي للمعرفة.وهو ما يشرع لحلول المعنى بدل الحقيقة أو النظر إلى الحقيقة بما هي إمكان، أو حكم عرفاني مفتوح ومرن وأن معيار هذا الحكم هو الانسجام الداخلي والفعالية، وهو ما يتأكد من خلال قول بياجي" لا نعرف موضوعا إلا بالفعل فيه وتحويله"
وعلى هذا الأساس تنظر إبستيمولوجيا النمذجة إلى الواقع الموضوعي انطولوجيا، الواقع في ذاته، بوصفه حدّا يستحيل بلوغه، أمّا الواقع الذي نريد تعقّله فهو عبارة عن تمثّل، بحيث تحل البينذاتية محلّ الموضوعية،المعنى محل الحقيقة، والفهم محل التفسير وبهذا المعنى تقترح النمذجة تجاوز النقائض الكلاسيكية بين المثالية والخبرية بين الذات والموضوع،بين النظري والتطبيقي، بالسعي إلى إنتاج معارف مجدية أو قابلة للتجسيد وتراهن على العلوم التطبيقية أو المطبقة.
تفترض إبستيمولوجيا النمذجة إذن تصورا مغايرا للمعرفة وشروطها ومعاييرها عما كانت عليه في المقاربة الوضعية، إذ لا شك أنّ مثل هذه المقاربة تتعارض مع الإبستيمولوجيا الوضعيةـ الواقعيّة والفرضيّة الأنطولوجيّة التي تقوم عليها والتي تقرّ بأن للواقع وجودا موضوعيا مستقلا ومع الفرضية التي تقر بمبدأ الحتميّة أي وجود علاقات موضوعية ضرورية وثابتة تحكم الظواهر وكأنّ نظام الطبيعة الذي ينتجه العلم ليس إلاّ النظام المعطى الذي نكتشفه بواسطة المنهج العلمي.

نظرية المعرفة
المنهج
النموذج
براديغم معرفة موضوع
عن طريق التحليل ( الفرضي الاستنتاجي التجريبي)
نموذج التفسير
براديغم معرفة مشروع
عن طريق التصور(الأكسيوماتيكي الاستقرائي البراغماتي)
نموذج التأويل والفهم نموذج التمثل الإجرائي

· الأساس الإبستيمولوجي للنمذجة
تتنزل النمذجة ضمن مقاربة إبستيمولوجية بنائية، فماذا نعني بالبنائية؟
تمثّل الإبستمولوجيا البنائيّة تيّارا إبستيمولوجيّا يؤكّد الخاصّية البنائيّة و المبنيّة للمعرفة، وبالتالي للواقع. ويردّ هذا التيار تاريخيّا إلى جان بياجي، الذي يعد أوّل من استخدم مصطلح البنائية وعرضها بوصفها مقاربة إبستيمولوجية منذ سنة 1967 في مقال بعنوان " المنطق والمعرفة العلمية" لذلك عدّ أب البنائية والمحدث لقطيعة مع الأفكار التي تعتبر أن المعرفة العلمية تكتسب عن طريق الكشف والاكتشاف،إذ تعرّف الإبستمولوجيا مع بياجي بما هي " دراسة إنشاء المعارف الصحيحة أو المشروعة" كما نجد للبنائية حضورا مع بشلار الذي أكد أنّ" لا شيء معطى، الكلّ منشأ" طالما أنّ المشاكل العلميّة لا تطرح بذاتها، إذ تكون المعرفة العلميّة بالنسبة للروح العلمي في تقديره إجابة عن سؤال أو مشكل وبالتالي ففي ظل غياب الأسئلة لا مجال لإمكان قيام معرفة علميّة، وكأنّنا به يعتبر "أنّ الدرب تنتجه الخطوات".
ولعلّ ما يعرف اليوم "بالعلوم الاصطناعيّة" على غرار علم التحكم أو السيبرنيتيقا، وعلوم التنظيم والقرار، والتي لا تجد لنفسها موقعا في الإبستمولوجيا الكلاسيكية التي ترى في العلم نتاجا للتجربة، ما يؤكد قيمة الإبستمولوجيا البنائية، كما أنّ مبدأ اللاتعيّن الذي أنتجته فيزياء الكوانتا ما يدعّم هذه المقاربة.
· القيمة الإبستمولوجية للنمذجة
تقوم النمذجة على رؤية نسقية للأحداث والظواهر والنظم، فكلّ الظواهر سواءً كانت طبيعية أو إنسانية نظام من العلاقات والقوانين التي يمكن تمثلها ودراستها، فتكون النمذجة وفق ذلك هذا التمشّي الذهني المميّز للعلم والمتمثّل في تحديد المفاهيم التي تمثل الظاهرة والعلاقات التي تربط بينها والقوانين التي تحكمها. فإذا ما أقررنا بأنّ العلم "لا ينشأ إلاّ بنشأة موضوعه ومنهجه"، وأنّ الظواهر العلمية ظواهر منشأة، والتمييز تبعا لذلك بين مادّة المعرفة وموضوع المعرفة أمكن القول بأنّ العلم لا يفكّر إلاّ من خلال ما ينتجه من نماذج.
وتنكشف أهمّية النماذج في العلم بصفة خاصّة حينما يتعلّق الأمر بدراسة ظواهر لامتناهية في التعقيد يكاد يستحيل التعامل معها بشكل مباشر، ممّا يقتضي مقاربتها من خلال ما يبنيه الذهن من نماذج تكون تمثيلا وتصوّرا لها. فالنموذج العلمي بهذا المعنى هو إحلال "اللامرئي البسيط محلّ المرئي المعقّد"، وهو ما يكشف عن دوره العرفاني والإجرائي في ذات الوقت؛ "ففي غياب نموذج ذي دقّة متناهية يمسي الفكر ذاته فاقدا للدّقة وتكون النتائج المستنبطة من النموذج ملتبسة"[4]. وتتأكد القيمة الإبستيمولوجية للنمذجة حين نتبين أنّها لا تختزل في مجرّد إنتاج النماذج بما هي واسطة بين النظرية والواقع أو بما هي تمثيل فيزيائي أو رمزي للظواهر بهدف التبسيط والتوضيح، أو بما هي أدوات استكشافية، وهو ما يتجلّى بصفة واضحة في الإنتاج العلمي منذ بداية القرن العشرين. فوجه الجدّة في اعتماد النمذجة في مقاربة التفكير العلمي المعاصر تتحدد وفق الأبعاد التالية:
أ.بما هي تمشٍّ ذهني مميّز للعلم يتجسّد في إنتاج النماذج. (البعد النظري- العرفاني)
ب. بما هي بناء للعالم من خلال بناء الفكر، ذلك أنّ "الفكر في تنظيمه للعالم يعيد تنظيم ذاته" كما يشير إلى ذلك بياجي.(البعد التصوّري- البنائي)
ج. بما هي استعمال للنماذج.(البعد العملي- التداولي)، أو بما هي معرفة ذات منحى عملي، فلا وجود لنموذج في ذاته، وكلّ نموذج هو نموذج لشيء ما وبغاية ما وفي سياق محدّد يجب أخذه بعين الاعتبار.(البعد الغائي- البراغماتي)
د.بما هي تفكير في طبيعة التفكير العلمي ومساءلة له؛ حيث "تجد النمذجة دعامتها في تمشٍّ استشرافي ونقديّ للمعرفة"[5]. (البعد الميتاعرفاني- النقدي)
ويتجلى وجه الجدة أيضا في التحديد المغاير لمفهوم النموذج وذلك بتجاوز النظرة الأنطولوجية والوضعية التي تختزله في تصوير واقع معطى في صورة تصميم أو تجسيم مصغّر (تمثيل تناظري)، أو في صورة رياضية (تمثيل رقمي)، نحو نظرة بنائية.
يقوم التصوّر البنائي للنموذج:
أوّلا، على اعتبار أنّ الأهمّ في بناء النموذج ليس التحليل (النمذجة التحليلية استنادا إلى قواعد المنهج الديكارتي) بل التصوّر (النمذجة النسقية استنادا إلى المنهج البنائي: المعرفة بناء).

ثانيا، تجاوز التصوّر الوضعي الذي يعرّف النموذج من جهة أنّه تمثيل لظاهرة في لغة رياضية ومن ثمّة اختزال النمذجة في الصورنة، إلى تصوّر بنائي نسقي مركّب ينظر إلى النموذج في لغاته المختلفة حيث يمكن للنموذج أن يعتمد لغة طبيعية أو رمزية تجسيمية Iconique إلى جانب اللّغة المنطقية الرياضية، كما يمكن للنموذج الواحد أن يحتوي لغات مختلفة.
ثالثا، تجاوز المقاربة الموضوعية التحليلية التي تقوم على عزل النموذج وتجزئة الواقع،إلى مقاربة نسقية إدماجية تقوم على ربط النموذج بالنسق وبالفاعلين فيه.
رابعا، تجاوز الحياد الموضوعي المزعوم للنموذج الآلي.
وهو ما يعني أنّ حضور النموذج في العلم متعدّد الأوجه، من جهة النظرية التي يعبّر عنها والمرجع الذي يحيل عليه، والغاية التي يصبو لها.




La modélisation analytique
Objet – élément – ensemble – analyse – disjonction – structure – optimisation – contrôle – efficacité – application – évidence – explication causale.
La modélisation systématique
Projet ou processus- unite active- systeme- conception- conjonction- articulation – organisation- adequation- intelligence-effictivite- .
projection-pertinence-comprehension-teleologique

منقول عن .cultuvanet.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 30/03/2009
العقرب
المساهمات: 2167

مُساهمةموضوع: رد: العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة   2010-03-19, 07:27


العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة ( تابع ج4)

احمد الملولي

· الحدود الإبستمولوجية للنمذجة

أ.في علاقة بالحقيقة:
إنّ مقاربة العلم بتعريف النمذجة العلمية بما هي قدرة على إنتاج نماذج قوامها وعي الفكر العلمي بطبيعة نشاطه العرفاني بما هو صانع نماذج مرتبطة بسياق اجتماعي محدّد، تعني التخلّي عن النظر إلى العلم بما هو إنتاج لحقائق كلّية وموضوعية تفسّر الواقع كما هو واعتباره على خلاف ذلك اختراع نماذج لوضعيات أو أحداث أو ظواهر مرتبطة بسياقات واختيارات، بما يعني تجاوز براديغم المعرفة النظرية المحض إلى براديغم المعرفة ذات المنحى العملي.تكمن المفارقة في أنّ تحرّر العلم من النزعة الواقعية قد منحه قدرة أكبر على معالجة الواقع والتحكّم فيه، بواسطة ما ينتجه من نماذج، تسمح له بفهم الظواهر عبر تمثيلها والفعل فيها. وإذا أقررنا بأنّ العالم لا يتعامل مع وقائع موضوعية ومعطاة بل هو الذي يبني موضوعاته ذهنيا، وإذا ما كان في تعامله مع واقع شديد التعقيد، ملزما بالتفكير بواسطة النماذج التي بفضلها يختبر ما يتصوّره من فرضيات، فلا معنى للقول عندها بخصوص نموذج ما بأنّه صحيح أو خاطئ، ففي الاحتكام إلى الصلاحية والملائمة ما يعني التخلّي عن مطلب الحقيقة، أو لنقل أنّ الأمر يتعلّق بتغيّر في المعايير بإحلال اليسر والملائمة والصلاحية أو عدمها محلّ الصواب والخطأ. أليس في اعتبار الصلاحية معيارا للنموذج والملائمة معيارا للنظرية وفقا للرؤية المواضعاتية في العلم، إنّ استبدال الحقيقة بالصلاحية يستند إلى تصوّر يفترض تجاوز التصوّر الكلاسيكي والوضعي للعلم في علاقته بالحقيقة وبالواقع " إنّه بالتأكيد (النموذج) تمثيل ملائم؛ أمّا بخصوص حقيقته فإنّ السؤال المناسب الذي يجب طرحه ليس معرفة ما إذا كان النموذج حقيقيا أم لا، بل ما إذا كان يحتمل أن يكون صحيحا أو خاطئا، لكنّه في الغالب ليس كذلك"[6].

ب. في علاقة بالواقع:
يبدو أن العلم المنمذج لا يهتم بالواقع، ولا يسعى لإنتاج معرفة بشأن الواقع في كليته، إذ أن الفرضية الفينومنولوجية للنمذجة تفيد أن الملاحظ المبتكر أو منتج النماذج لا يعكس إلا واقعه، أي رؤيته للواقع، وكأن النموذج إنما يبني واقعه، وفق هذا التحديد لا تكون النمذجة إلا إختزالية، وإذا ما استحضرنا علاقة إنتاج النماذج بالسياق من ناحية وبالبعد التيلولوجي
من ناحية أخرى تأكد لنا هذا البعد الإختزالي.

في علاقة بالنظرية:
إنّ النموذج تمثل وتمثيل عن طريق أشكال في أوسع معانيها، فهو بذلك يحقق تصورا أو رؤية نظرية، ولكن النموذج ليس له مع ذلك دلالة النظرية العلمية، فدلالته التطبيقية أي اعتباره نظرية موجهة نحو الفعل والإنجاز والتحكم أساسا، ما يبعده عن معنى النظرية، فالطابع الغائي للنمذجة يسمح بتحقيق ضرب من التأليف، أو بإنتاج نظرة منسقة [stylisée ] للواقع . إنّ النموذج يظهر عالما بسيطا مشابها أو مماثلا للوضعية "موضوع الدراسة " ويضفي عليه المعنى بفضل هذه المماثلة. والحقيقة أنّ التظنن على صلة النمذجة بالنظرية يتعمق حين نستحضر العلوم الجديدة على غرار علوم الإعلامية والهندسة، فتطور الإعلامية أنتج فيما أنتجه أنشطة جديدة جدّ هامة إقتصاديا واجتماعيا تستعمل في سياقات مختلفة والتي تسمى نمذجة، وتنتج هذه الأنشطة تمثلات كمية مشابهة في ظروف إنتاجها ظروف بلورة المعرفة العلمية، ولكنها تستخدم في سياقات مختلفة من أجل اتخاذ القرار في شركة أو مصلحة من مصالح المؤسسات، أو بما هي وسيط للتواصل بشأن مواضيع معينة اقتصادية كانت أو مدنية أو اجتماعية، وإذا كان العلم بحسب نيكولا بولو " قد يتخذ من النموذج وسيطا لتوضيح بناءاته النظرية، فإن المهندس لا يملك في الغالب نظرية مرجعية تكون إطارا لفعله أو نشاطه".
سواء تعلقت النمذجة بإعداد ملف من أجل اتخاذ قرار جمعي أو تعلق الأمر بتمثل " منجز" عن طريق الإعلامية بغاية إنتاج ما [ une production ]، فإنّ كل نمذجة " إنّما تنخرط ضمن سياق اجتماعي وهو ما يضفي عليها طابع النجاعة ولكن أيضا طابع الدنس" على حدّ عبارة نيكولا بولو.
في علاقة بالعلم:
ليست النمذجة وفق قراءة بولو طريقة علمية وإنّما طريقة تستعمل العلم، وخاصة علم الإعلامية الذي يستخدم وسيطا وأساس الانتقال من حقل العلم إلى مجال المجتمع، وغموض النمذجة يكمن في تقديمها في صورة علم مطهر في حين أنها منغرسة في رهانات مخصوصة وتابعة لجهات غير علمية حتّى وإن بدت النمذجة متماسكة في بنيتها، وصارمة في لغتها، إذ مثلما يمكن أن نغالط باستعمال اللغة الطبيعية، يمكن أن نغالط باستعمال النماذج " وليس للرياضيات بهذا الخصوص أية فضيلة تطهيرية، على خلاف ذلك تكون الرياضيات الصحيحة في ظاهرها، لياقة وأدبا يمكن أن يخفي الغايات الأقلّ نبلا". وهو ما يؤكد أنّ النمذجة لا تعبر عن السمة المميزة للعلم وإنّما "عن الصورة البورجوازية للعلم" على حدّ عبارة آلان باديو، صورة يعلن فيها العلم على وجه الملأ علاقته العضوية برأس المال بعد أن كان يتخفى وراء الموضوعية والحياد.
إن النظر إلى العلم بما هو نمذجة يكشف بذلك عن افتقاده الاستقلالية، ولكأننا أمام عقلانية "تبرر السيطرة والهيمنة والاضطهاد" استعارة لقول ماركوز، لتستحيل العقلانية لاعقلانية، والتعقل جنونا، والذكاء غباء، مادام العلم يتحول باسم هذه المقاربة إلى خطاب يعالج
مشاكل جزئية وينتج تمثلات في مكاتب الخبراء أو مكاتب الدراسات ورجال الأعمال والمؤسسات العابرة للقارات والمؤسسات العسكرية، بغاية الفعل والتحكم دون قراءة للعواقب، أو المخاطر التي يمكن أن تنجر عن هوس المصلحة والمنفعة والجدوى والنجاعة، والأمثلة عديدة في هذا الاتجاه سواء تعلق الأمر بثقب الأوزون، أو بالأسلحة الغبية أقصد ما تسمى بالذكية، أو الزراعات المحولة جينيا .
قد لا يتعلق الأمر برفض النمذجة في ذاتها، وإنما رفض مبادئها والغايات التي تحكم إنتاجها، وهو ما يستدعي التفكير في نمذجة بديلة، وهو ما يحمّل رجال العلم والفلاسفة ورجال السياسة والمجموعات الإيتيقية مسؤولية إنقاذ العلم من جنون الهيمنة، أو من كلّي الموت، غير أنّ السؤال الذي يطرح في خاتمة هذه المداخلة: هل يمكن للإيتيقي أن يضطلع بمثل هذه المهمة؟ ألا ينبغي التفكير في براديغم جديد يحقق مصالحة العلم مع ذاته ومع إنسانية الإنسان ؟

قائمة المراجع:
Bernard Waliser,Systémes et modèles,ed seuil ,1977
PascalNouvel,Enquête sur le concept de modèle, ed PUf
Jean Ladrière, Les enjeux de la rationalité,aubier Jean-louis Le Moigne ,Le constructivisme,ed l’harmattan
Duran,La systémique,1979
Alain Badiou, Le concept de modèle
Nicolas Bouleau, la modélisation et les sciences de l’ingénieur.

العلم بين الحقيقة والنمذجة
مدخل إشكالي وضعية استكشافية
1/ دلالة النمذجة:
في أصل النماذج مولود ص 221(كتاب العلوم)
أو
النموذج تبسيط باسكال نوفال ص 235
أو
كيف ينشأ النموذج؟ فرودونتال ص 237
2/ أبعاد النمذجة:
أ – البعد التركيبي
النمذجة والأنساق الرمزية هربرت سيمون ص227
أو
النموذج والبنية ج. بياجيه ص 229
أو
النموذج بما هو نسق ج. لادريار ص 261 (كتاب الآداب)
النموذج
ب – البعد الدلالي
النمذجة واستكشاف الظواهر تنودجي ص 223
أو
النمذجة للفهم لوموانيو ص 23
ج- البعد التداولي
النمذجة إجراء منهجي فرويندتال ص244
أو
شروط صلاحية النماذج رونيه توم ص 240
أو
النشاط العلمي والنشاط التقني جون لادريار ص 242
3/ حدود النمذجة
أ‌- الحد الإبسيمولوجي
الصلاحيات النسبية للنماذج نيكولا بولو ص 266(كتاب الآداب)
أو
الحقيقة والمشروعية في العلم ليوتار ص 278 (كتاب الآداب)
ب-الحد الفلسفي
النموذج والإيديولوجيا آلان باديو ص 289(كتاب الآداب)



منقول عن .cultuvanet.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
 

العلم بين الحقيقة والنمذجة: المنزلة الإبستمولوجية للنمذجة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» أسئلة محرجة من لحظة الحقيقة للشباب والصبايا

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المعرفة للجميع ::  ::  :: -