المعرفة للجميع
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت من أعضاء المنتدى
او التسجيل ان لم تكن الأعضاء وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

المعرفة للجميع

منتدى للحوار الفكري والمعرفي المتصل بالتربية والتعليم
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
أسماء الله احفظها

{وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (180) سورة الأعراف
القرآن
يمكن حفظ القرآن الكريم
وفق قواعد التلاوة وبكل يسر
من خلال الضغط
على الرابط التالي:


القرآن الكريم
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» مواضيع وإصلاح البكالوريا التجريبية 2009- المعهد الثانوي الخاص (العهد الجديد بجمال)
اليوم في 06:25 من طرف لمياء 123

» درس في مادة التربية المدنية / العائلة مجال لممارسة الحقوق و القيام بالواجبات / حقوق المسنين
2014-11-20, 14:45 من طرف ayoun.zaytoun

» برنامج تدريبى : فحص وتقييم مراجعة مشروعات القوانين ورشة عمل : استخدام الحاسب الآلي في الشئون الإدارية والمالية وإعداد سلم الرواتب اسطنبول - تركيا للفترة من 18الى 22 يناير 2015 م
2014-11-19, 22:41 من طرف مروة الدار

» البرنامج النوعي إعــــداد وتأهيــل القـــادة والمديريــن اسطنبول - تركيا للفترة من 11 الى 20 يناير 2015 م
2014-11-17, 17:15 من طرف مروة الدار

» الفرض العادي عدد01 تفكير إسلامي ( س1ثانوي)
2014-11-14, 08:21 من طرف كمال بوهلال

» فروض في مادة العربية ( السابعة أساسي)
2014-11-11, 23:19 من طرف saafiadel

» فرض مراقبة عدد1 في دراسة النص سنة سابعة أساسي
2014-11-10, 01:10 من طرف nasri.khira

» شهادة المدير الحكومي المعتمد – اسطنبول – تركيا للفترة من 4 الى 13 يناير 2015 م
2014-11-09, 22:26 من طرف مروة الدار

» برنامج تدريبي : الرأي العام وطرق قياسه - ورشة عمل : إعادة هندسة العمليات الإدارية ( الهندرة ) اسطنبول – تركيا للفترة من 4 الى 8 يناير 2015م
2014-11-08, 23:12 من طرف مروة الدار

» فروض في مادة التربية الإسلامية( الثامنة أساسي)
2014-11-08, 03:00 من طرف taleb souad

» Devoirs informatique : 7ème année de base
2014-11-07, 17:33 من طرف eyouta.eya.50

» فروض في مادة التربية الإسلامية( التاسعة أساسي)
2014-11-07, 15:19 من طرف hamouda.abdelkader

» ماجستير إدارة العلاقات العامة المهني المصغر – اسطنبول – تركيا للفترة من 4 الى 13 يناير 2015 م
2014-11-04, 21:31 من طرف مروة الدار

» برنامج التربية الإسلامية السابعة أساسي
2014-11-03, 21:13 من طرف محمد إلياس

» الفروض العادية للثلاثي الأول
2014-11-03, 21:03 من طرف sammar

» مقترح فرض مراقبة عدد 1 في التربية المدنية ( 7 اساسي )
2014-11-03, 07:29 من طرف may rafik

» جذاذة درس " حقوق المسن " 7 اساسي تربية مدنية
2014-11-02, 07:02 من طرف may rafik

» جذاذة درس المواطنة / حصة المواطنة في بعدها الاجتماعي / 9اساسي تربية مدنية
2014-10-31, 09:26 من طرف may rafik

» جذاذة درس المواطنة / حصة المواطنة في بعدها الاداري 9 اساسي ( تربية مدنية )
2014-10-31, 09:11 من طرف may rafik

» وثيقة درس المواطنة في بعدها السياسي 9 اساسي ( تربية مدنية )
2014-10-31, 08:57 من طرف may rafik

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
كمال بوهلال - 2171
 
geographe - 1186
 
نادية - 646
 
yassine - 643
 
محمد - 466
 
محمّد الغريب - 110
 
مروة الدار - 55
 
bahita - 30
 
مهندس/سلامة - 19
 
dali - 12
 
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
عدد الزوار
widgeo.net
الساعة الآن
شاطر | 
 

 أبو تمام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 31/03/2009
العقرب
المساهمات: 2171

مُساهمةموضوع: أبو تمام   2009-11-07, 12:46

إن‌ الحضارة‌ الإسلامية‌ التي‌ بُنيت‌ لبناتها الأساسية‌ منذ زمن‌ الرسول‌ (ص‌) لم‌ تلبث‌ أن‌ ازدهرت‌ بشكل‌ لافت‌ للنظر في‌ فترة‌ قصيرة‌ بعده‌ في‌ العصر العباسي‌، و ارتقت‌ بالمجتمع ‌العربي‌ الساذج‌ حيث‌ وصل‌ إلي‌ الرفاهية‌ المادية‌ و العقلانية‌ المعنوية‌، و ذلك‌ بفضل‌ الانفتاح ‌الحضاري‌ و القفزة‌ الثقافية‌ التي‌ رحّبت‌ بهما الأذواق‌ و العقول‌ آنذاك‌.
و إثر هذا المشروع‌ الثقافي‌ الذي‌ عُرض‌ بشكل‌ شامل‌ علي‌ المجتمع‌ أخذت‌ الأمة‌ بمنهج‌ جديد في‌ النظر الي‌ الكون‌ و ما فيه‌ من‌ الأشياء و الأحياء، فرقّت‌ الأذواق‌ و تعقّلت‌ المشاعر و التمعت ‌الأفكار؛ فقد كان‌ ما يترجم‌ ـ لأول‌ مرة‌ في‌ التاريخ‌ ـ يوزن‌ بالذهب‌، و قد كان‌ في‌ شروط‌ الصلح ‌مع‌ الروم‌ أن‌ يسلّموا إلي‌ العرب‌ بعض‌ ما عندهم‌ من‌ الكتب‌ في‌ مختلف‌ الموضوعات، كما أن ‌هناك‌ ظمأ غير مشتف‌ عند كثير من‌ العلماء و المفكرين‌ نحو إصدار العديد من‌ النصوص‌، فإلي‌ جانب‌ هذه‌ الحركات‌ التي‌ أدت‌ إلي‌ صحوة‌ عامة‌ و يقظة شاملة فتأثر الناس‌ بها و تحركت‌ الحياة‌ من‌ خلالها، قام‌ الأدب‌ و أسهم‌ كثيراً في‌ تحضير الأمة‌ و ايقاظ‌ روحها الكامنة ‌مكوناً لها مُثُلاً عليا، منعطفاً بها من‌ النظرة‌ الجلالية‌ إلي‌ النظرة‌ الجمالية‌ كما أنه‌ أدي‌ دوراً بارزاً في‌ نقل‌ الأمة من‌ العالم‌ الصحراوي‌ المترامية الأطراف‌ إلي‌ العوالم‌ الأنيقة‌ الخاصة، و انتقل‌ بها من‌ فترة النتوير و التجديد إلي‌ الكشف‌ و الاختراع‌... و الذي‌ يجب‌ التنبه‌ إليه‌ أن‌ هذا التطور العقلي‌ و الترف‌ المادي‌ لم‌ يكونا بعيدين‌ عن‌ كل‌ الناس‌، بل‌ كان‌ ملكاً لأغلبيتهم‌ دون ‌الاقتصار علي‌ طبقة‌ أو فرقة‌ أو جنس‌ خاص‌.
و في‌ نفس‌ الوقت‌ أن‌ هذا العصر الذي‌ عاش‌ فيه‌ شاعرنا العبقري‌ أبوتمام،‌ كان‌ عصراً مشحوناً بالخطر و الفوضي‌ و روح‌ الإنقسام‌ كما كان‌ عصراً متعدد الرؤي‌ غاصّا بالحاجات‌ الروحية‌ والجسدية‌ المتزايدة‌، و لعل‌ الأهم‌ من‌ هذه‌ كلها كان‌ عصراً جريئاً متحولاً من‌ المحاكاة إلي ‌الابداع‌ و الاختراع‌، معتقداً أن‌ الفن‌ أروع من‌ الواقع‌، و أن‌ التعقيد أفضل‌ من‌ التبسيط‌، و أن ‌الزخرفة‌ ليست‌ مجرد تفطن‌ و طرافة‌ بل‌ هي‌ نتيجة‌ لظروف‌ حضارية‌ دبّت‌ في‌ صميم‌ البنية ‌الفنية‌ للأدب‌ ساقته‌ إلي‌ الإثراء و التزود، و إلي‌ التجاوز من‌ الثبات‌ إلي‌ الحركة، و من‌ التجديدإلي‌ الجديد...
و كانت‌ البلاد العربية‌ آنذاك‌ محط‌ ازدهار الثقافة‌ الاسلامية‌ التي‌ التقت‌ في‌ تكوينها شعوب‌ متعددة‌، و قد فاضت‌ مظاهر هذه‌ الثقافة‌ علي‌ كل‌ جوانب‌ الحياة و سطعت‌ في‌ كل‌ النفوس‌ حيث‌ أصبح‌ الناس‌ أشبه ما يكونون‌ بزمانهم‌، و من‌ المعروف‌ أن‌ الفن‌ أو الأدب‌ و ليدة‌ عصره‌، فمن‌ الطبيعي‌ أن‌ يتأثر بما تأثرت‌ به‌ الحياة‌ الاجتماعية‌ من‌ التطور و الرقي‌، فامتزج‌ فيه‌ القديم ‌و الجديد، و إن‌ انتهي‌ ذلك‌ إلي‌ خلافات‌ عميقة‌ و تناحرات‌ واسعة‌، لكنها بدورها أفادت‌ حركة ‌النقد الأدبي‌ خير إفادة‌ و تقدمت‌ بها الي‌ الأمام‌ بخطوات‌ بعيدة‌.
و علي‌ كل‌ حال‌ فما نراه‌ الآن‌ من‌ ميزات‌ جمالية‌ و تعقيدات‌ لغوية‌ و زخارف‌ بديعية‌ كان ‌بلا شك‌ يتناسق‌ مع‌ الزمان‌ و المكان‌ و اللغه‌ و الذوق‌ و الخصائص‌ الاجتماعية و الحضارية‌، و بتعبير أدق‌ كان‌ ينسجم‌ مع‌ الروح‌ الحركي‌ الخصب‌ لهذه‌ المرحلة المسبقة‌ من‌ الحضارة الإسلامية‌، كما أن‌ ذلك‌ في‌ نفس‌ الوقت‌ كان‌ يعتبر مثالاً أعلي‌ للشكل‌ التعبيري‌ آنذاك‌. و هكذا بدأ التخطي‌ و التجاوز عن‌ المألوف‌ و السطحية للوصول‌ إلي‌ ماوراء الأشياء يتمثل‌ في‌ كل ‌مظاهر الحياة من‌ الواقع‌ و الفن‌.
و كما قلنا آنفاً أن‌ العصر لم‌ يكن‌ كله‌ يقوم‌ علي‌ التوافق‌ و التناغم‌، بل‌ إنه‌ إلي‌ جانب‌ ذلك‌، كان ‌يقوم‌ في‌ بعض‌ جوانبه‌ علي‌ التناقض‌ و التضاد حيث‌ يلتظي‌ و يرمي‌ بالشرر، و هذا أقرب ‌ما يكون‌ إلي‌ طبيعة‌ الشعر، فإنه‌ لا يتغذي‌ بالخير فإذا دخل‌ فيه‌ الخير ضعف‌ و لان‌ علي‌ نحو ما يقول‌ الأصمعي‌].
و لقد كان‌ أبوتمام‌ خير من‌ يمثل‌ في‌ شعره‌ مظاهر هذه‌ الحضارة‌، إذ شهد تلك‌ الفترة‌ التي ‌اطلع‌ فيها العرب‌ علي‌ كل‌ المنجزات‌ الحضارية‌ السابقة و المعاصرة لهم‌، و التي‌ أخذوا فيها مسلك‌ الإبداع‌ و الإختراع‌، كما شهد تلك‌ الصراعات‌ و الشقاقات‌ التي‌ أخذت‌ طريقها إلي‌ كل ‌شي‌ء: الصراع‌ العنصري‌ بين‌ العرب‌ و الموالي‌، الصراع‌ بين‌ المسلمين‌ و غير المسلمين‌، الصراع‌ المذهبي‌ بين‌ المسلمين‌ أنفسهم‌، الصراع‌ الأدبي‌ بين‌ أصحاب‌ القديم‌ و الجديد، الصراع‌ بين‌ أتباع‌ الفِرَق‌ و...]
والأهم‌ من‌ بين‌ هذه‌ الصراعات‌ في‌ هذه‌ الفترة‌ التي‌ عاصرها أبوتمام‌ هو الصراع‌ الذي‌ كان‌ يقوم‌ علي‌ أسس‌ عقلية‌، و أنه‌ كان‌ يتجدد و يتعمق‌ في‌ ظل‌ الشقاقات‌ و السياسات‌ و الاتجاهات‌ المختلفة و المتناقضة التي‌ تجعل‌ الانسان‌ يحس‌ أنه‌ في‌ شقاق و صراع مع الحياة لشدة وعيه‌ و عمق ‌احساسه‌ بما يدور حوله‌، و من‌ هنا لم‌ يكن‌ له‌ بدّ إلا أن‌ يتسلح‌ - كما فعل‌ أبوتمام‌ ـ بالعديد من‌ أسلحة‌ المعرفة‌. و إذا استقصينا في‌ أنواع‌ المعارف‌ و العلوم‌ السائدة‌ في‌ هذه‌ الفترة نجد أنها مدهشة لافتة‌ للنظر؛ و المهم‌ أنه‌ في‌ هذا الجو المليي‌ء بالأفكار نما و ازدهر أبوتمام‌ وحيداً، فقد كان‌ عليه‌ أن‌ يصنع‌ إطاره‌ الثقافي‌ بنفسه‌ و يتعلم‌ كل‌ شي‌ء بشكله‌ الطبيعي‌ و يلمس‌ بحواسه‌ و عقله‌ كل‌ شي‌ء ليدرك‌ من‌ خلال‌ كل‌ هذه‌ سرَّ المجتمع‌ الذي‌ انتقل‌ من‌ البداوة‌ إالي‌ الحضارة و أن ‌يثبت‌ لنفسه‌ نظرية‌ في‌ الشعر معتقداً بأنه‌ في‌ جوهره‌ خبرة جمالية‌ و تنسيق‌ و صياغه‌.
و لقد ساعده‌ في‌ أخذ جوانب‌ بعيدة‌ من‌ كل‌ هذه‌ المعارف‌ تخفّفُه‌ في‌ البدء من‌ أسرته‌، فبدأ يتنقل‌ بين‌ أقاليم‌ مختلفة‌ من‌ دمشق‌ و مصر و أرمينيا‌ و خراسان‌ و بغداد و... و اصطبغ ‌وجوده‌ بطابع‌ الرحلة فإذا بنفسه‌ يقول‌ إن‌ وطنه‌ «ظهور العيس‌»]، و بالتالي‌ نقول‌ إن‌ أفكاره ‌كذلك‌ لم‌ تعرف‌ الركود بل‌ هي‌ أيضاً كصاحبه‌ كانت‌ علي‌ العيس‌ تتطور و تنمو في‌ كل‌ واحد من ‌أسفاره‌.
اتصل‌ أبوتمام‌ بكثير من‌ الخلفاء و الأمراء، فكان‌ عصره‌ عصر خلافة‌ الرشيد و الأمين‌ والمأمون‌ و المتصم‌ و الواثق‌، و قد تعامل‌ معهم‌ بالسلم‌ تارة‌، و بالحرب‌ تارة أخري‌. إذ كانت‌ له ‌بعض‌ المشاركات‌ في‌ الحروب‌ التي‌ شنتها هؤلاء‌ الخلفاء ضد أعداءهم‌: فهذا العصر و إن‌ بلغ‌ فيه ‌العلم‌ و الثقافة‌ و الفكر أوج‌َ الإتساع‌ و الرقي‌، لكنه‌ كان‌ الشعر فيه‌ مضرجاً بالدم‌؛ و في‌ ضوء هذا يمكن‌ التعرف‌ إلي‌ بعض‌ خصائص‌ الشعر عامة‌ و شعر أبي‌¬تمام‌ خاصة‌ حيث‌ اقترن‌ فيه ‌الجمال‌ بالقبح‌ و اختلط‌ فيه‌ الخير بالشر، و قد ساعدت‌ علي‌ هذا حالات التشابك‌ التي‌ كانت‌ بين ‌ظواهر عديدة‌ من‌ ظواهر الحياة نتيجة‌ لوفرة‌ عنصرَي‌ الحرية‌ و العقل‌ إذ كان‌ الإثنان‌ من‌ خلفا، هذا العصر قد أسهما لحد بعيد في‌ تمهيد الأرضية‌ لمثل‌ هذا الجو الحر الطلق‌، و المأمون‌ كان‌‌ من أحدهما، حيث‌ كان‌ يقوم‌ بعملية‌ تعقيل‌ الدولة‌، و ثانيهما المعتصم‌ الذي‌ كان ‌يشجع‌ الفنون‌ و يسمح‌ للتيارات‌ و الفِرَق‌ المختلفة‌ أن‌ تبشّر بأفكارها و مبادئها في‌ الأوسط ‌الاجتماعية‌ مما يزيد علي‌ الصراعات‌ و يحتدمها أكثر فأكثر.
و أما قضية‌ البديع‌ التي‌ دارت‌ من‌ حولها ضجة كبيرة‌ بين‌ أصحاب‌ القديم‌ و الجديد فكانت ‌تقوم علي‌ حقيقة‌ اجتماعية دبّت‌ في‌ صميم‌ البنية‌ الفنية‌ للشعر، حيث‌ أصبح‌ الشعر الي‌ حد كبير أشبه‌ بالعصر و اقترب‌ من‌ النزعة‌ التأملية‌ التي‌ ظهرت‌ إثر المنجزات‌ و المعطيات‌ العقلية ‌في‌ هذه‌ الفترة‌ مما أضفي‌ علي‌ الشعر طابع‌ التأني‌ و ابتعد به‌ عن‌ الارتجال‌ و الانسياب‌، و من ‌ثَمّ‌ و بفضل‌ إكثار الشعراء من‌ البديع‌ قد أخذوا إلي‌ حد كبير يسيطرون‌ علي‌ انفعالاتهم‌ بعد أن ‌كانت‌ انفعالاتهم‌ تسيطر عليهم‌، و لم‌ يعودوا يلوكون‌ الألفاظ‌ كما يُتوهم‌، بل‌ كانوا يكدحون‌ كدحاً شديداً في‌ اختيارها ليكون‌ لها أدق‌ و أحسن‌ دلالة‌ علي‌ ذلك‌ المعني‌ الذي‌ كانوا بصدده‌. و مهما يكن‌ من‌ شي‌ء فلقد كان‌ البديع‌ جزءاً لايتجزأ من‌ الحياة‌ الاجتماعية‌ في‌ هذه‌ الفترة‌، و لم ‌يكن‌ هناك‌ فرق‌ كبير بين‌ البديع‌ في‌ الشعر و بين‌ البديع‌ في‌ القصور و الملابس‌ و المآ كل‌ و الغناء و...، فبديع‌ هذا العصر لم‌ يكن‌ حلية‌ أو زخرفة‌ زائدة‌ علي‌ الأصل‌، بل‌ كان‌ في‌ صميم‌ الحياة و هكذا و إثر هذه‌ التحولات‌ الاجتماعية‌ قد طرأت‌ تغييرات‌ أساسية‌ علي‌ الشعر العربي‌ في ‌هذا العصر، و ميّزته عن‌ الشعر العربي‌ في‌ العصور السابقة‌، فالشعر العربي‌ في‌ العصرالجاهلي‌ كان‌ كفن‌ العمارة جليلاً هائلاً و يغلب‌ عليه‌ العنصر الحسي‌، و يقوم‌ علي‌ التجاور لا التناغم‌، و إن‌ هذا الشعر بعد ذلك‌ في العصر الإسلامي قد أخذ شكل‌ النحت‌ الذي‌ يبرز فيه‌ الجانب‌ الانساني‌ بحيث‌ يتناسب‌ فيه‌ الشكل‌ مع‌ المضمون‌ إلي‌ حد كبير، فإن‌ الشعر العربي‌ في‌ العصر العباسي‌ أخذ تدريجياً طابع‌ الرسم‌ حيث‌ انتقل‌ الشعر من‌ عوالمه‌ الثابتة‌ العفوية‌ السابقة‌ إلي‌ عوالم‌ أنيقة جديدة تبدو فيه‌ عناصر الجمال‌ و الزمان‌ و الحركة و الايقاع‌ و اللون‌، فأصبح‌ كل‌ ما كان ‌خشنا صحراوياً جامداً يمسّه‌ غطاء من‌ الحرير و بريق‌ من‌ اللؤلؤ و نفخة‌ من‌ الحيوية...
كل‌ هذه‌ الميزات‌ تجعل‌ العصر العباسي‌ درة‌ لامعة بين‌ عصور الأدب‌ العربي‌، فظهرت‌ فيه ‌طائفة‌ من‌ كبار الشعراء استوعبت‌ ثقافة‌ العصر و حضارته‌؛ و كان‌ الشعر العربي‌ حتي‌ هذه ‌الفترة‌ قد مرت‌ عليه‌ حوالي‌ ثلاثة‌ قرون‌ فاتسعت‌ دائرته‌ و تنوعت‌ أغراضه‌، و كأنما الشعرالعربي‌ في هذه‌ الفترة‌‌ بتأثر التحولات‌ الاجتماعيه‌ كان‌ ينتظر تطوراً جديداً أكثر مما حدث‌ فيه ‌في‌ العصور المتقدمة‌ من‌ ناحية التعبير و طريقة‌ الصوغ‌، و قد بدأت‌ ارهاصات‌ هذا التطور علي ‌لسان‌ بشار بن‌ برد و أبي‌ نواس‌ و مسلم‌ بن‌ وليد إلي‌ أن‌ بلغ‌ ذروته‌ علي‌ لسان فتي‌ ناشي‌، أسمر اللون‌ طويل‌ القامة‌ أجش‌ الصوت‌ ذي‌ تمتمة‌ يسيرة من‌ قرية‌ جاسم‌، ألا‌ و هو أبوتمام ‌الطائي .
كانت‌ الحضارة الاسلامية‌ في‌ فترة‌ أبي‌¬تمام‌ في‌ أوج‌ التقدم‌ و الرقي‌، و كان‌ عصره‌ عصر خلفاء كبار امتد سلطانهم‌ من‌ الشرق‌ إلي‌ الغرب‌، و قد شاع‌ فيه‌ الترف‌ و الرفاهية‌ كما ازدهرت‌ فيه‌ أنواع‌ العلوم‌ و الثقافة‌ مما أثّر إلي‌ حد بعيد في‌ الشعر و الأدب‌، و كان‌ شاعرنا العبقري‌ من ‌أكبر من‌ تأثر بهذه‌ التحولات‌، و بامكاننا أن‌ نلمس‌ بوضوح‌ مظاهرها في‌ شعره‌؛ فمن‌ ناحية ‌الترف‌ الاجتماعي‌ تأثر بأبهة‌ الحضارة‌ و تفنّن‌ ألوان‌ الحياة‌ التي‌ قضاها في‌ البلاط‌ متصلاً بالخلفاء و الأمراء نائلاً جوائزهم‌، فمن‌ الطبيعي‌ أن‌ يكون‌ شعره‌ محلّيً‌ بأنواع‌ الزينة‌ مزخرفا بأنواع‌ البديع‌ و الصناعة من مثل الجناس‌ فيقول]‌:
يَمدّون‌ مِن‌ أيدٍ عواصٍ‌ عواصم‌ تصول‌ بأسياف‌ قواض‌ قواضب‌
مجانساً بين‌ عواص‌ و عواصم،‌ و بين‌ قواض‌ و قواضب‌ جناساً مذيلاً، و الطباق‌، مثل‌ قوله]‌:
لا تَشجينَّ‌ لها فإن ‌ بكاءها ضحك و إنّ بكاءك استغرام‌
فطابق‌ بين‌ البكاء و الضحك.‌
اما العلم‌ و الثقافة‌ فقد ازدهر في‌ عصره‌، و كانت‌ البلاد العربية‌ إلي‌ أقصي‌ حدودها تعجّ ‌بالعلماء في‌ مختلف‌ مجالات‌ المعرفة‌ من‌ الفقه‌ و الحديث‌ و التفسير و اللغة و النحو و الأدب‌ و... و قد تلمذ أبوتمام‌ علي‌ بعض‌ منهم‌ في‌ دمشق‌ و مصر و بغداد، و أخذ منهم.‌ و لا غرو إذا ظهرت‌ في‌ شعره‌ ثمرات‌ تلك‌ المعارف‌ الواسعة‌ و‌ ملامح‌ تلك‌ الثقافة‌ الراقية‌، فأصبح‌ شعره‌ يشع‌ بها من‌ داخله‌ في‌ موضع‌ بعد موضع‌ مما يسهل‌ العثور عليه‌ عند المطالعه‌، و يمكننا أن‌ نذكر أمثلة‌ متعددة‌ لذلك‌ الغني‌ الفكري‌ و ألوان‌ المعرفة‌ و الثقافة‌ في‌ شعره‌، لكننا نتركه‌ إلي‌ مجال‌ آخر نتطرق‌ إليه‌ عند تناولنا تجليات‌ التناص‌ في‌ شعره‌. و نؤثر هنا أن‌ نبين‌ بعض‌ جوانب‌ الابتكار و عناصر الطرافة في‌ شعره الذي‌ أثار ضجة‌ كبيرة‌ في ساحة النقد الأدبي ‌و جعل‌ القوم‌ أن‌ يتخذوا موقفين‌ متباينين‌ إزاء شعره‌، فمنهم‌ أشاد بشعره‌ و جعل‌ الشاعر رأساً علي‌ المتقدمين‌ منه‌ و المتأخرين‌ من بعده‌، و منهم‌ عاب‌ شعره‌ و حط‌ من‌ شأنه‌، و لايهمنا هنا شي‌، من‌ هذا الصراع‌، إذ الولوج‌ إليه‌ يتطلب‌ منا صفحات‌ طويله‌.
من‌ المعروف‌ منذ القديم‌ أن‌ أباتمام‌ كان‌ رأس‌ مدرسة‌ شعرية‌ جديدة‌ تركت‌ آثاراً واسعة علي‌ الشعر العربي‌، و يقول‌ عنه‌ الصولي‌ الذي‌ جمع‌ أخباره]: «رأس‌ في‌ الشعر مبتدي‌، لمذهب‌ سلكه ‌كل‌ محسن‌ بعده‌ فلم‌ يبلغه‌ فيه‌ حتي‌ قيل‌ مذهب‌ الطائي‌. و كل‌ حاذق‌ بعده‌ يُنسب‌ إليه‌ و يقتفي ‌أثره‌». و هذا ظل‌ و لايزال‌ متداولاً متعارفاً عليه‌ معترفاً به‌ عند القدامي‌ و المعاصرين‌. و المهم ‌أن‌ هذه‌ المدرسة‌ بما لها ميزات‌ و خصائص‌ افترقت‌ عن الشعر العربي‌ قبل‌ شاعرنا، بل‌ في ‌زمنه‌. إذن فما هي‌ مواطن‌ الافتراق‌ بين‌ المدرسة التمامية‌ و بين‌ الشعر العربي‌ عند الشعراء السابقين‌ عليه‌ و المعاصرين‌ له‌؟ خاصة‌ إذا قسنا هيكل‌ الفصيدة عنده‌ و عند‌ الآخرين‌، فما نري‌ كبير فرق‌ بينهما، فانه‌ كذلك‌ استهل‌ كثيراً من‌ قصائده‌ بذكر الأطلال‌ و وقف‌ عليها باكيا مستبكياً متذكراً الأيام‌ الخوالي‌ التي‌ كانت‌ له‌ في‌ هذه‌ الاماكن‌. و بهذا الصنيع‌ قد أعاد‌ اليها شاعرنا مقدمة‌ القصيدة‌ الطللية‌ التي‌ خرج‌ عليها أبونواس‌ داعياً فيه‌ إلي‌ معايشة‌ الشعراء حياتهم‌ الجديدة‌، و «أعطي‌ القصيدة العربية‌ شكلها النهائي‌ الذي‌ التزمته‌ الشعراء بعده‌، وسارت‌ عليه‌، فلم‌ تعد القصيدة‌ في‌ افتتاحها تتردد بين‌ الوقوف‌ علي‌ الأطلال‌ أو الوقوف‌ علي ‌غيرها»]. و لعل‌ هذا الكلام‌ يبدو متناقضاً مع‌ ما عرفنا من‌ أبي‌¬تمام‌ بأنه‌ كان‌ مجدداً في‌ الشعرالعربي‌، فكيف‌ يكون‌ ذلك‌، و قد انتكس‌ هو بالقصيدة‌ إلي‌ الوراء مبطلاً جهود سابقيهِ‌ من‌ الشعراء في‌ مجال‌ التجديد في‌ الشعر؟ فهذا الكلام‌ و إن‌ كان‌ فيه‌ بعض‌ الصحة‌، لكنه‌ ليس ‌بصحيح‌ علي‌ الاطلاق‌، إذ هو لم‌ يلتزم‌ في‌ كل‌ قصائده‌ طريقة‌ واحدة‌ في‌ افتتاحها، فإنه‌ و إن ‌وقف‌ في‌ قصائده‌ علي‌ الأطلال‌ كذلك‌ خرج‌ في‌ عدد غير قليل‌ منها علي‌ الأسلوب‌ المألوف‌ في‌ استهلال‌ القصيدة‌ بمقدمات‌ أخري‌ أو بالولوج‌ إلي‌ الموضوع‌ مباشره‌، و ذلك‌ علي‌ نحو ما نري ‌في‌ مدحه‌ للمعتصم‌ في‌ فتح‌ عموري‌، و حسن‌ بن‌ وهب و مقدمات‌ أخري‌ من‌ الطبيعه‌ صدّر بها القصيدة‌ مادحاً فيه‌ المعتصم‌ و غيره‌، ثم‌ إن‌ ما يجب‌ التنبه‌ إليه‌ أن‌ أبوتمام‌ في‌ مقدماته‌ الطللية ‌التقليدية قام‌ بكثير من‌ التحوير و التعديل‌، فقد حذف‌ منها بعض‌ عناصرها القديمة ‌مضيفاً إليها أشياء جديدة‌ تضفي‌ عليها بعض‌ طابع‌ الابتكار و الجدة‌، فهو من‌ هذه‌ الناحية‌ يعتبر امتداداً لتيار التجديد الذي‌ أراده‌ أبونواس‌.
اما التجديد الحقيقي‌ عند أبي‌¬تمام‌ فيكون‌ في‌ بنية‌ الشعر و تركيبه‌ أو عموده‌ علي‌ حسب‌ ما يقول‌ النقاد القدامي،‌ و هو من‌ هذه‌ الناحية‌ أكبر مجدد في‌ الشعر العربي‌ القديم‌، فقد تناول ‌الأغراض‌ القديمة‌ فوقف‌ حيناً علي‌ الطلول‌ و بكاها، و مدح‌ و رثي‌ و وصف‌ فاستعمل‌ كثيرا من ‌الالفاظ‌ العربية القديمة‌ و أغرب‌ فيها مما أوهم‌ البعض‌ في‌ أن‌ لا يدركوا حركة‌ التجديد العميقة‌ عند هذا الشاعر، و ينسبوا التجديد إلي‌ أبي‌¬نواس‌ الذي‌ إنما طرح‌ بعض‌ الأفكار الجديده‌ الخارجة ‌عن‌ العرف‌، و لكنه‌ كان‌ اتباعيا‌ في‌ شعره‌ بخلاف‌ أبي‌¬تمام‌ الذي‌ لم‌ يسلك‌ مسلكه‌. و الدليل ‌علي‌ ذلك‌ أن‌ النقاد القدامي‌ كانوا راضين‌ عن‌ أبي‌¬نواس‌ إلا في‌ إفحاشه‌ في‌ القول‌ و خروجه‌ عن ‌العادات‌، فلم‌ يبتعد هو عن‌ عمود العشر العرب الذي‌ كان‌ النقاد يقدسونه‌ مشدين‌ بكل‌ من ‌يحافظ‌ عليه‌. أما أبوتمام‌ فكان‌ القدامي‌ مجمعين‌ علي‌ خروجه‌ عن‌ عمود الشعر العربي‌، هذا مع‌ اطلاعه ‌الواسع‌ علي‌ اللغة‌ و علي‌ أساليب‌ العرب‌ البيانية‌، يروي‌ أن‌ أعربياً سمع‌ قصيدته‌:
طلل‌ الجميع‌ لقد عفوت‌ حميدا وكفي‌ علي‌ رزئي‌ بذاك‌ شهيدا
و سئل‌ كيف‌ تري‌ هذا الشعر فقال‌: «فيه‌ ما أستحسنه‌ و فيه‌ ما لا أعرفه‌ و لم‌ أسمع‌ بمثله‌، فإما أن‌ يكون‌ هذا الرجل‌ أشعر الناس‌ جميعاً، و إما أن‌ يكون‌ جميع‌ الناس‌ أشعر منه‌»]. كما يروي ‌أيضاً أن‌ اللغوي‌ المشهور ابن‌ الأعرابي‌ لما سمع‌ شعره‌ قال‌: «إن‌ كان‌ هذا شعراً فكلام‌ العرب‌ باطل‌» . هذا مع‌ أخبار كثيرة‌ أخري‌ تشير إلي‌ تجديد أبي‌¬تمام‌ و إلي‌ تعقيد شعره‌ كتعقيد تلك‌ الحضارة التي‌ امتد سلطانها من‌ الشرق‌ إلي‌ الغرب‌ و التقت‌ في‌ تكوينها شعوب‌ متعدده‌.
لعل‌ من‌ أهم‌ مظاهر التجديد في‌ شعر أبي‌¬تمام‌ تجديده‌ في‌ تحميل‌ الألفاظ‌ أكثر من‌ دلالتها بالاعتماد علي‌ المجاز و الاستعاره‌، و إن‌ كان هذان‌ معروفين‌ عند العرب‌ فإن‌ شدة اعتماد أبي‌تمام‌ عليهما قد أخرجت‌ اللفظ‌ عن‌ دلالته‌ الدقيقة و معناه‌ المضبوط‌، و جعلته‌ يوحي‌ من ‌وراءهما بمعني‌ آخر لمجرد علاقة من‌ العلاقات‌ فأصبحت‌ الألفاظ‌ عنده‌ لا تؤدي‌ دلالتها بالضبط‌ بل‌ هي‌ تشير إلي‌ شي‌ء آخر يستنبط‌ من‌ الوراء. و مَثلُ‌ أبي‌تمام‌ في‌ هذا الاسلوب‌ مثل ‌مصور يرسم‌ الخطوط‌ الرئيسة و الأصلية‌ للموضوع‌ دون اهتمام كثير بجزئيات‌ الرسم‌ و الخط، ‌و إنما يكون‌‌ اهتمامه‌ منصباً علي‌ لطخات‌ الألوان‌ و تعادلها و تناسبها و ما تحمله‌ من‌ ايحاء و ايقاع‌، هكذا فعل‌ أبوتمام‌ بالنسبه‌ إلي‌ دلالات‌ الألفاظ‌ في‌ شعره‌، فانها لم‌ تعد تدل‌ علي ‌معانيها الموضوعة‌ بالضبط‌، بل‌ أصحبت‌ تدل‌ عليها عن‌ طريق‌ التناسب‌ و مراعاة‌ النظير أو التضاد و التناقض‌، و لعلنا إذا ضربنا مَثلاً اتضح‌ المقصود تماماً؛ يقول‌ أبوتمام‌ في‌ قصيدة ‌مشهورة‌ في‌ فتح‌ عمورية]‌:
السيف ‌ أصدق‌ إنباء من ‌ الكتب‌ في ‌ حده ‌ الحد بين‌ الجد و اللعب‌
بيض‌ الصفائح‌ لاسود الصحائف‌ في‌ متونهن‌ جلاء الشك‌ و الريب‌
والعلم ‌ في ‌ شهب ‌ الأرماح‌ لامعة بين‌ الخميسين‌ لا في‌ السبعة‌ الشهب‌
فنجد هنا أن‌ أسلوب‌ التعبير يختلف‌ عما عرفناه‌ عند الشعراء الجاهليين‌ و الاسلامين‌، فالألفاظ ‌تحمل‌ أكثر من‌ معانيها، و كل‌ لفظ‌ ليس‌ مستقلا عن‌ الآخر، بل‌ يكون‌ بينه‌ و بين‌ الآخر تناسب ‌و تجانس‌ و تضاد؛ فالسيف‌ هنا رمز للقوة‌ و الحرب‌، و الكتب‌ رمز للتنجيم‌؛ و بين‌ الحد الأول‌ و هو حد السيف‌ و الحد الثاني‌ و هو الفصل‌ بين‌ الشيين‌ مجانسة‌، و لفظ‌ الجد لفظ مضاد للفظ‌ العب‌.
و البيت‌ الثاني‌ توكيد للبيب‌ الأول،‌ جاء في‌ ألفاظه‌ الطباق‌ بين‌ البيض‌ و السود، و الجناس‌ بين ‌الصفائح‌ و الصحائف‌، و البيت‌ الثالث‌ توكيد ثانٍ‌ للفكرة و هي‌ أن‌ العلم‌ الصحيح‌ في‌ الحرب‌ لا في‌ الاستدلال‌ بالنجوم‌ حيث‌ يشوبه‌ الحدس‌ و الظن‌، و قد اختار الشاعر لفظ‌ الشهب‌ للدلالة ‌علي‌ الرماح‌ و النجوم‌ من‌ أجل‌ الزخرفة‌ و التزويق‌ و المجانسة. و هكذا نري‌ أن‌ ألفاظ‌ هذه ‌الأبيات‌ مختارة‌ اختياراً خاصاً يخرجها من‌ دلالتها الدقيقة‌ ليوحي‌ إلي‌ ما بينها من‌ تناسب‌ وتجانس‌ و تضاد مما يضفي‌ عليها ايحاء و ظلالاً قويين‌.
و من‌ مظاهر أخري‌ لتحميل‌ اللفظ‌ أكثرمن‌ معناه‌ اعتماد الشاعر الكثير علي‌ التلميح‌ و الإشارة‌ إلي‌ أيام‌ العرب‌ و حوادث‌ التاريخ‌ والقصص‌ و الأمثال‌، و فيها ما فيها‌ من‌ إشارة‌ إلي‌ ثقافة‌ العصر عامة‌ و ثقافته‌ خاصة. و أشعاره‌ حافلة‌ بها حيث‌ تغنينا عن‌ ضرب‌ الأمثله‌ عليها.
و الميزة‌ البارزة‌ الأخري‌ في‌ شعر أبي‌¬تمام‌ هي‌ نزعته‌ الجدلية‌ التي‌ تحققت‌ عن‌ طريق‌ التضاد و التناقض‌ حيث‌ تبوأ حصة‌ كبيرة‌ في‌ شعره‌، و قد سماه‌ علماء البديع‌ طباقاً إذا وقع‌ بين ‌لفظين‌، و مقابلة‌ إذا وقع‌ بين‌ جملتين‌، فقد جمع الشاعر كثيراً‌ في‌ شعره‌ بين‌ الأضداد و العناصرالمتغايره‌ و المتنافره‌، فمثلاً يقول‌ في‌ نفس‌ القصيدة‌ التي‌ سُقنا منها مثلاً فيما سبق:
غادرت‌ فيها بهيم‌ الليل‌ و هو ضحي‌ يشله‌ وسطها صبح‌ من ‌ اللهب‌
حتي‌ كأن‌ جلابيب‌ الدجي ‌ رغبت‌ عن‌ لونها أو كأن‌ الشمس ‌ لم‌ تغب‌
ضوء من‌ النار و الظلماء عاكفة‌ و ظلمة من‌ دخان‌ في‌ ضحي‌ شحب‌
فالشمس‌ طالعة‌ من‌ ذا و قد أفلت‌ و الشمس‌ واجبة‌ من‌ ذا و لم‌ تجب‌
والقصيده‌ بأغلبها اتجه‌ فيها الشاعر نهج‌ هذه‌ الأبيات‌ من‌ الطباق‌ و المقابله،‌ و اعتمد فيها علي ‌اشتباك‌ المعاني‌ و تقابل‌ الصور و الأفكار مع‌ مراعاة‌ النسبة‌ الفنية‌ بينها كما التزم‌ النهج ‌نفسه‌ في‌ قصيدة‌ أخري‌ قائلاً]:
و لكنني‌ لم‌ أحو و فراً مجمعاً ففزت‌ به ‌ إلا بشمل‌ مبدّد
و لم‌ تعطيني‌ الأيام نوما مسكناً ألذّ به‌ إلا بنوم‌ مشرد
و طول‌ مقام‌ المرء في‌ الحي‌ مخلق‌ لديباجتيه فاغترب‌ تتجدد
فإني‌ رأيت‌ الشمس ‌ زيدت‌ محبة‌ إلي‌ الناس‌ أن‌ ليست‌ عليهم‌ بسرمد‌
فالوفر المجمّع‌ و الشمل‌ المبدّد و النوم‌ المسكّن‌ و النوم‌ المشرّد، و الإقامة‌ و الاغتراب‌، والإخلاق‌ و التجدد، كل‌ منها مقابل‌ للآخر، مشتبك‌ بعضها ببعض‌، حتي‌ الشمس‌ من‌ أجل‌ زيادة ‌المحبة‌ لا بدّ لها أن‌ تظهر و تغيب‌، فيُلاحظ‌ أن‌ التضاد هنا أساس‌ التفكير عند الشاعر.
و في‌ الحقيقة‌ لم‌ يخل‌ الشعر العربي‌ في‌ يوم‌ من‌ الأيام‌ من‌ هذه‌ المقابلات‌ المتضادة‌ التي‌ هي ‌من‌ خصائص‌ الفكر، و لكن‌ الفرق‌ كبير بين‌ بروزها في‌ حركة طبيعية‌ عند الآخرين‌ و بين ‌الاعتماد التام‌ عليها عند أبي‌¬تمام‌ من خلال‌ صوغ‌ التعابير و عرض‌ الأفكار بغية‌ الوصول‌ إلي‌الغرض‌ الفني‌ الذي‌ يكون‌ بصدده‌.
و لا غرو أن‌ يعتمد أبوتمام‌ علي‌ هذا النهج‌ الشعري‌ الفكري‌ القائم‌ علي‌ الصراع‌ و التضاد في ‌ذلك‌ العصر الذي‌ اشتد فيه‌ الشقاق‌ بين‌ طبقات‌ الشعب‌ علي‌ خلاف‌ ما كان‌ عليه‌ في ‌صدر الاسلام‌، فلقد تكونت‌ في‌ عصره‌ طبقات‌ اجتماعية بعضها متمولة‌ مترفة،‌ و بعضها فقيرة‌ منكوبة‌ كما تكونت‌ العنصرية‌ بين‌ العرب‌ و العجم حيث‌ كانت‌ تتنافس‌ علي‌ الحكم‌ خاصة الفرس‌ و هم‌ الذين‌ كانوا يشكلون‌ غالبية‌ الموظفين‌ في‌ الإدارات‌ والدواوين‌، و يُدخلون‌ في‌الدولة‌ عاداتهم‌ و أزياءهم‌ و تقاليدهم‌ الحكومية التي‌ ورثوها عن‌ أجدادهم‌، ثم‌ كان‌ الأتراك‌ من‌ بعدهم‌ في‌ زمن‌ المعتصم‌ قد تولوا مناصب‌ الجيش‌ و استبدوا بالأمور حتي‌ كان‌ الخليفة ‌ينصب‌ و يعزل‌ علي‌ أيديهم‌.
و لا عجب‌ من‌ أن‌ تنعكس‌ قضايا هذا العصر المعقدة و صوره‌ المتشابكة في‌ فن‌ شاعر كبير عاش‌ عصره‌ و شارك‌ حوادثه‌، فقد أدرك‌ رسالة‌ جديدة‌ للشعر في‌ ذلك‌ المجتمع‌ المعقد، وتَفَهّم‌ له‌ غاية سامية‌ نبيلة‌؛ فالشعر لم‌ يكن‌ عنده‌ مجرد فن‌ اكتملت‌ عناصره‌ و أُتقِنَت‌ أداته‌، وإنما هو وسيلة‌ للتحريض‌ علي‌ اكتساب‌ المعالي‌ و الحث‌ علي‌ تحقيق‌ القيم‌ الرفيعة و الدفاع‌ عن ‌الدولة‌ و التأليف‌ بين‌ أجزاءها و الإشادة بأبطالها الذين‌ يخدمونها، فإنه‌ سراج‌ يوضّح‌ سُبُل‌المكارم‌ علي‌ حد قوله]‌:
و لولا خلال‌ سنّها الشعر ما دري‌ بغاة ‌ العلاء من‌ أين‌ تؤتي‌ المكارم‌
فإنه‌ عندما يدخل‌ غمار المدح‌ أو الرثاء فإنما يصوّر الخصال‌ الحميدة و المآثر الكريمة‌ والصفات‌ الانسانية‌ المجيدة و المناقب‌ العالية‌ لتكون‌ كلها مثالاً أعلي‌ يُحتذي‌ به‌ و أسوة يُقتدي‌ بها و سبيلا يُسلك‌ فيه‌، كما كان‌ شاعراً ملتزما بالدين‌ مهتمّا بالقضايا الاجتماعية‌ متأثراً بالمشاعر العربية‌، فقلما ترك‌ موقعة‌ دخلها العرب‌، و هو دخل‌ معهم‌ بلسانه‌ فأبدع‌ فيها و وهبها صفة‌ الخلود، و من ‌أبرز نماذجها موقعة‌ عمورية‌ حيث‌ خلّدها بشعره‌، أو تأييده‌ للمعتصم‌ في‌ قتل‌ الأفشين‌ عندما ظهرت‌ خيانته‌، أو رثائه‌ لمحمد بن‌ حميد الطوسي‌ رثاء حاراً بعث‌ من‌ خلاله‌ هِمَم‌ القواد في‌ محاربة بابك‌ الخرمي‌ و... كل‌ هذه‌ جعلت‌ منه‌ شاعراً ملتزماً خدم‌ المجتمع‌ و الدولة‌ و حافظ ‌علي‌ الدين‌ و العروبة‌.
يمكن‌ القول‌ أن‌ هذا الشاعر العربي‌ كان‌ أكبر مجدد في‌ تاريخ‌ الشعر العربي‌ القديم‌، فقد جمع‌ ثقافة عصره‌ و تأثر بحوادثه‌ و ناضل‌ في‌ سبيل‌ المقاصد العربية‌ العالية‌ و رفع‌ رسالة‌ الشعر الفنية‌، متعمداً فيها إلي‌ سلوك‌ سبيل‌ جديد في‌ البيان‌ و الصنعة‌ و توليد الأفكار و المعاني‌ عجز عنها من‌ جاء بعده‌ من‌ أمثال‌ البحتري‌ و ابن‌ الرومي‌ و المتنبي‌ و المعري‌، فكلهم‌ كانوا متأثرين ‌إلي‌ حد بعيد بأبي‌¬تمام‌.
و قد أتيح‌ له‌ أن‌ يوائم‌ بين‌ وظيفة‌ الشعر و محسناته‌، و بين‌ طريقة‌ صوغ‌ الشعر و فنونه‌ و الظروف‌ المحيطة‌ به‌، فهو لم‌ يقف‌ عند السطحية و الواقعية‌ بل‌ تجاوزها إلي‌ عملية خلق‌ شعر لا ينفصل‌ فيه‌ الشكل‌ عن‌ المضمون‌. فتجاربه‌ المركبة المتداخلة كانت‌ تحتاج‌ إلي‌ محسنات ‌مركبة‌ متداخلة‌ حتي‌ لا يكون‌ هناك‌ خلل‌ بين‌ الشكل‌ و المضمون‌، فقد استوعب‌ الحياة‌ من‌ حوله‌ و خلق‌ منها عالماً خاصا به‌ لم يكن يعرف‌ الهدوء و السكون‌، بل‌ كان‌ دوماً في‌ صراع‌ و جدل‌ تجلّيا بوضوح‌ في‌ شعره‌، فإنه‌ كان‌ شاعراً عصرياً عرف‌ كيف‌ يتناغم‌ مع‌ روح‌ عصره‌، و كيف‌ يقوده‌ من‌ البداوة إلي‌ المدنية‌، و كيف‌ يتصور الحياة‌ لنفسه‌ وطناً لا مراره‌ فيه ‌و لا صعوبه‌.
و مع‌ هذا فقد ظل‌ شعره‌ دائماً عرضة‌ للأحكام‌ الظالمة فهو كان‌ رائداً بشّر بطريقة‌ جديدة‌ في ‌الشعر، و من‌ الطبيعي‌ أن‌ تكون‌ للرائد كبوات‌ و سقطات‌ فأخذها عليه‌ خصومه‌ دون‌ أن ‌يُنصفوا له‌ في‌ قسم‌ كبير من‌ شعره‌ أجاد‌ فيه‌ خير إجادة‌ لم‌ يسبق‌ عليه‌ بعد.
منقول عن
تونيزيا سات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
نادية
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


انثى
المهنة: طالبة
تاريخ الاشتراك: 04/05/2009
الجدي
المساهمات: 646

مُساهمةموضوع: الخصائص الفنية في حماسيات أبي تمام   2009-11-08, 01:58

الخصائص الفنية في حماسيات أبي تمام
فنون اللفظ المفرد
نعني بفنون اللفظ المفرد سياسة الشاعر للمفردات في اختيارها ودلالتها على مسميات مخصوصة دون أن نقصد الى عزلها عن سياقها العام في البيت الواحد أو في مجمل المقطوعة. فمن خلال هذا السياق تتخذ الألفاظ شعريتها حيث سننظر الى الألفاظ المفردة معتبرين عنصري الانتظام والمشاركة في تأدية المعنى . وسيقتصر تناولنا لهذا العنصر على فئتين من المفردات هما معجم الحرب والأعلام .
معجم الحرب في حماسيات أبي تمام
ما يشد الانتباه في حماسيات أبي تمام هو انضواء المفردات ضمن معاجم مخصوصة لعل أشدها حضورا هو معجم الحرب هذا المعجم يمكن حصره في ثلاثةحقول دلالية آلات الحرب وأسماءها وأعمالها. فحص أي من الحقول الثلاثة سيؤدي بنا الى نفس الاستنتاجات والملاحظات التي يؤديها فحص حقل آخر من نفس المعجم ولذلك سنكتفي في تناولنا لمعجم الحرب بفحص ماتعلق بآلاتها من جهة أنه أظهر الحقول الثلاثة وأكثرها حضورا ودلالة على الحرب حقيقة ومجازا.
يظل السيف ضمن آلات الحرب الأكثر حضورا في حماسيات أبي تمام وخارجها واذا كان السيف خارج الحماسيات لا يفارق الا نادرا اسمه الأولي فانه يحضر في الحماسيات بأسماء كثيرة منها الحسام والصارم والصمام والمهند والبتار
والغضب واليماني...، وهو حضور لا تكاد توازيه في كثافته اي مجموعة لفظية أخرى.
هذه الكثافة اللفظية لا تتخذ قيمتها الدلالية خارج صفات السيف وأفعاله فهو البتار وضارب الهام والمسلول في وجه الأعداء
والذي تلتمع صفحته في ساحات المعارك وهو الموصوف دائما بالمضاء . فاذا تتبعنا صوره في المعركة نجده قاتلا دوما لا يتراجع اذا كان مسلولا كما نجده في الغالب لاينبو ولا يتحطم وفي معظم الصور نجد السيف يضرب الهام والأعناق وتجري عليه الدماء. يقول أبو تمام في وصف سيف ابي سعيد الثغري في موقعة أرشق

بكل غضب اذا خرت مضاربه
في هامة القرن يوما خر للذقن
ماضي الشباة سواء عند هزته
فري الهواء الهام عن عنن

هذه الصورة التي يتخذها السيف في هذا المثال وفي أغلب حماسيات أبي تمام تجعله حكرا على المنتصرين فلا يرد ذكره ضمن سلاح الاعداء الا في أبيات معدودة يتجرد فيها غالبا عن الحركة أو اذا جاء في سياق رثائي حيث يبدو منكسرا حزنا وحدادا على موت صاحبه لا جبنا أو انهزاما. يقول أبو تمام في رثاء الطوسي
وقد كانت البيض المآثير في الوغى
بواتير فهي الأن من بعده بتر

فقد أسند الشاعر صفة الانكسار للسيف بفعل حدث طارئ وظرفي ( من بعده) في حين ظلت صفة (بواتر) حاضرة بمآثرها التي تخترق الظروف والزمان وهي الصورة الأكثر ثبات وترددا في حماسيات أبي تمام.

منقول من كتاب الحماسة في الشعر العربي القديم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نادية
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


انثى
المهنة: طالبة
تاريخ الاشتراك: 04/05/2009
الجدي
المساهمات: 646

مُساهمةموضوع: رد: أبو تمام   2009-11-08, 02:55

تابع


الصورة العامة للسيف في شعر أبي تمام تعطي انطباعا بأن هذه الآلة الحربية ليست قوة طائشة تسعى الى البطش الأخرق ولكنه قوة عاقلة تريد خير الانسان بالتسلط على قوى الشر المادية مجسدة في الأعداد و المعنوية ممثلة في الضلال والغي. لذلك كثيرا ما شبه الرأي بالسيف حدة ومضاء وسداد وقد جمع أبو تمام المعنيين في قوله واصفا أبا دلف العجلي

سللت لهم سيفين رأيا ومنصلا
وكل كنجم في الدجنة ثاقب
فالسيف هنا لا يختلف في دلالته عما عهد في سائر الشعر العربي باعتباره قوة ذات بأس ولكنها قوة توجه برأي حكيم واذا كان لسيف الممدوح النصرة على أعدائه دائما فلأنه يحمل عقيدة سامية ورأيا نافذا .
يقول عبد القادر الرباعي في التعليق على صورة السيف في شعر أبي تمام " انه حق قوي وعدل قوي" انه بكلمة جامعة رمز للقوة العادلة لأنه يضع القوة حيث يكون فالسيف هو الذي يجلب الأمن بالحرب وهو الذي يفرض الأمن بالعقاب .

الى جانب السيف تحضر الرماح بكثافة لا تقل عن كثافة السيوف بأسماء وصفات مختلفة كالخطي والرديني و القنا والأصم والسمر والعوالي والصعدة والسنان والمارن والمثقف...
هذه الآلة الحربية تبدو أكثر ارتباطا بفعل القتل والموت والتشفي من الأعداء. يقول أبو تمام

ولعمر القنا الشورع تمري
من تلع الطلى نجيعا صبيبا
بالعوالي يهتكن من كل قلب
صدره أو حجابه المحجوبا
طلبت أنفس الكماة فشقت
من وراء الجيوب منهم جيوبا
كم فارس منهم اذا استصرخوا
مثل سنان الصعدة اللامع
يكره صدر الرمح أو ينثني
وقد تروى من دم مائع
بكل منعرج من فارس بطل
جناجن فلق فيها قنا قصد
لما غدا مظلم الأحشاء من أشر
أسكنت جانحتيه كوكبا يقد

واذا كان الرمح في أكثر الصور التي يرد من خلا لها في شعر أبي تمام دالا على القوة والتشفي والمفاجأة ، فانه يرتبط أيضا بالرأي في سداده ليحمل دلالة القوة العاقلة شأنه في ذلك شأن السيف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نادية
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


انثى
المهنة: طالبة
تاريخ الاشتراك: 04/05/2009
الجدي
المساهمات: 646

مُساهمةموضوع: رد: أبو تمام   2009-11-08, 07:09

تابع

يقول أبو تمام
رآك سديد الرأي و الرمح في الوغى
تأزر بالاقدام فيه وترتدي
وليس يجلي الكرب رمح مسدد
اذا هو لم يؤنس برأي مسدد

فانجلاء الضلالة ودحر قوى الشر والشرك لا تتحقق الا بتعاضد القوة والحكمة وهما كفيلان بتحقيق العدل وانتصار الحق . وهو المعنى الأساسي الذي رافق صورة السيف أيضا في حماسيات أبي تمام . ولذلك فكثيرا ما يحضران معا شقيقين متعاونين على اقامة العدل بما يرمزان اليه من قوة توجهها الحكمة. يقول أبو تمام

وأسمر محمر الأعالي يؤمه
سنان بحبات القلوب ممتع
من اللا ء يسرين النجيع من الكلي
غريضا ويروي غيرهن فينقع
شققت الى جباره حومة الوغى
وقنعته بالسيف وهو مقنع

الخيل أيضا ذات حضور كثيف في حماسيات أبي تمام وعادة ماترتبط بمعاني الاقدام من جهة وكثرة الجيوش وقوتها العددية ولذلك فهي تحضر عادة مع راكبيها من الفرسان والقادة اما تصريحا أو كناية عنهم . يقول أبو تمام

وفي أرشق الهيجاء والخيل ترتمي
بأبطالها في جاحم متوقد
وشزب مضمرات طالما خرقت
من القتام الذي كان الوغى نسجا
اذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا
صدور العوالي في صدور الكتائب
و الأعوجيات الجياد كأنها
تهوي وقد ونت الرياح سهام

ارتباط الخيل بالفرسان جعلها في كثير من صور حضورها في الحماسيات تتخلق بأخلاقهم فهي شجاعة مقدامة لا تهاب الموت حيث يقول أبو تمام

والخيل تستسقي الرماح نحورها
مستكرها كعصارة الفرصاد
محرمة أكفال خيلك في الوغى
ومكلومة لباتها ونحورها

ولا يقتصر معجم الحرب في حماسيات أبي تمام على آلاتها الثلاثة التي ذكرنا بعض شواهدها ودلالاتها فالى جانب السيف والرمح والخيل يتسع هذا المعجم ليشمل السهام والدروع والرايات والفرسان والجيوش وليشمل أيضا أسماء الحرب وأفعالها وأمكنتها وأخلاقها وهاهو أبو تمام يجمع أطراف هذه الحقول الدلالية في مقطع واحد يقدم من خلاله صورة مثلى للحرب التي لايكون مآلها الا النصر لقائد ممتع بأدوات القوة المادية والفضائل الأخلاقية حيث يقول في مدح حفص بن عمر الأزدي

درية خيل لا يزال لدى الوغى
له مخلب ورد من الأسد الورد
وهل أسد العريس الا الذي له
فضيلته في حيث مجتمع الأسد
فهم منك في جيش قريب قدومه
عليهم من يمن رأيكم في جند
ووقرت يافوخ الجبان على الردى
وزدت غداة الروع في نجدة النجد
رأيت حروب الناس هزلا وان علا
سناها وتلك الحرب معتدة الجد
ولا فيئة الا القنا ونأيتم
فما لكم الا الأسنة من زرد
ولا مدد الا في السيوف لوامعا
ولا معقل غير المسومة الجرد
فيا طيب مجناها ويا برد وقعها
على الكبد الحرى وزاد على البرد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كمال بوهلال
عضو متميز جدا
عضو متميز جدا


ذكر
المهنة: أستاذ
تاريخ الاشتراك: 31/03/2009
العقرب
المساهمات: 2171

مُساهمةموضوع: تحليل مفصل لقصيدة فتح عمورية   2010-09-21, 08:11

بسملة2



قصيدة أبي تمام في فتح عمورية
بين "بلاغة الانتصار" و"غواية الانتظار

هذه القصيدة من أدب الملاحم ولا ريب( )، أنشأها أبو تمام خطابا ثقافيا راسخا ونصا حضاريا بيّنا، فيه من الفكر والواقع بقدر ما فيه من الفن والأدب. ولئن كان تعامل الأدباء والنقاد معها من زاوية جمالية تروم البلاغة دون الإبلاغ ، وتهفو إلى دراسة الإيقاع دون الواقع، فإننا نرى إلى ذلك أوجها لا تزال قادرة على استخلاص أبعاد طريفة غير تلك التي قرّ العزم على إخراجها من قبل.
ولا شك عندنا في انغراس هذه الأبيات في أدب الحرب، متى اعتبرنا الحرب بمعنييها السائدين: "مرادفا للقتال بمعناه المادي أو حالة الحرب يبن جماعتين أو أكثر"( )، ويجرنا هذا التصور إلى "اعتبار الموازنة المادية بين الفريقين، حتى لا ينقلب الأمر قمعا من جهة قوية لأخرى ضعيفة ولا ثورة من جهة ضعيفة على أخرى قوية"( )
فإذ تفيض القصيدة بالأسئلة الملحّة، فإنّها تفتح بابا للتأويل، كما فتحت فتوحا من التفسير والتحليل لا نخالها كافية لوحدها، والسبيل إلى ذلك ليس هيّنا، إذ يتجاوز ما يقوله الشاعر أو ما همّت به نفسه إلى ما ينطق به النص كيانا تاريخيا وإبداعا أدبيا معا.
1- قصيدة "عمورية " في عيون الدارسين:
لقد درس الدارسون في هذه القصيدة البديع حتى أضحوا له عبيدا( )، فتراهم يقفون عند ذلك الجناس وقوفا طويلا، وعند تلك المقابلة وقوفا أطول( )، فلا هم في النهاية ظفروا بجنس من الإبداع ولا فازوا بقلب البلاغة ولا حازوا لقب الغلبة، ومنهم طائفة أرسوا حبالهم عند أحداث التاريخ، فاستحالت القصيدة حينئذ حديثا عن بطولات خارقة و سعيا حثيثا لاقتناص لحظات مجد راسخ.
فها هو مصطفى الشكعة قد عدّها " من عيون الشعر العربي دون شك"( )، وهي عنده أيضا "فتح جديد في آفاق الشعر العربي، وهي درة فريدة من درر أبي تمام الكثيرة التي قالها في حياته القصيرة"( ).
فهي على هذا النحو ذات منزلة مخصوصة في مدوّنة الشاعر والشعر العربي على حد سواء، ولئن جنح هذا التمجيد إلى الاستعارة سبيلا للإشادة بجمالية القصيدة دون تنزيلها في جنس من الأدب، فإن شوقي ضيف قد أشاد بمدوّنة أبي تمام جاعلا "أم ملاحمه قصيدته في عمورية التي مدح بها المعتصم مسجلا انتصاره العظيم على البيزنطيين" ( ). فهي من جنس الملاحم التي تحاكي ملاحم اليونان ألقا و قوة وفخارا. أما أنيس المقدسي فقد اكتفى بوسمها بأنها " قصيدته المشهورة في فتح عمورية"( )، وشهرتها هذه قد حجبت حربيته في المأمون، بل جعلتها تغضي حياء وتنحني خجلا، ذلك أن " الشاعر في هذه القصيدة فنان مؤرخ لغوي وموسيقي أيضا"( ).وقد اعتبره حنا الفاخوري لنظمه هذه الأبيات "قد حلق فيها تحليق النسور، وحاول أن يربط الأحداث التاريخية بأهداب عاطفته الجياشة" ( ).
فكل هؤلاء الدارسين ينزعون منزعا تمجيديا بدا لنا من ثمرات المقاربة الجمالية، التي تحجب ما يثوي خلف الأبيات من واقع يتستر به الشاعر بالقدر الذي يستتر منه.
2- فتح عمورية في روايات المؤرخين:
لئن كان احتفاء النقاد بنظام الحديث في قصيدة عمورية، فإن احتفاء المؤرخين ينصب أساسا على نظام الأحداث، وقد انشغل بتدوين الوقائع المؤرخون العرب كما المؤرخون البيزنطيون، وعن هؤلاء وأولئك تناقل دارسو الأدب الأقوال على أنها القول الفصل في تلك المعركة التي دارت رحاها على غير منوال أو تكاد.
ويشهد ناقلو الوقائع أن المعتصم (ت227ه) كان يواجه ثورة بابك الخرمي بحملات عسكرية ناجحة "وكان امبراطور الروم ثيوفيل قد عمل في غضون ذلك بنصيحة بابك وزحف بجيش قوامه سبعون ألفا على حدود الشام، حين فرض الحصار في صيف عام 837م على مدينة زبطرة(..) وكان المعتصم قد ولد في زبطرة هذه "( ) وإذ قام بسبي النساء ونكّل بالمسلمين شديد التنكيل، بلغ الخبر الخليفة فنشر" راياته، معلنا تعبئة جيشه. وتم تجنيد كل قادر على السلاح من مصر والجزيرة العربية والشام والعراق، ومعهم جنده من الأتراك من جيشه النظامي"( )، وكان الزحف حينئذ إلى عمورية " وهي المكان الذي ولد فيه ثيوفيل، والذي تنتمي إليه أسرته"( ) وهكذا استمرت المعركة أياما وقد" تحصن أهل عمورية داخل مدينتهم وحاصرها المعتصم حصارا محكما ونصب المجانيق وانهالت القذائف على الأسوار لهدمها، حتى تمكن المحاصرون من إحداث ثغرة من جهة المعتصم بعد جهد، واندلع القتال من هذه الثغرة بعد أن ردمت الخنادق واستمر القتال العنيف بين الطرفين حتى استطاع المسلمون دخول عمورية عنوة، وغنموا منها مغانم كثيرة وانتقم المعتصم من الروم بما فعلوه في زبطرة وملطية"( ). وقد استمر الحصار خمسة وخمسين يوما عاد على إثره إلى طرسوس، وعندما قدم إلى سامراء امتدحه أبو تمام.
هذا هو السياق التاريخي الذي يقدم إلينا على أنه المرجع الرئيسي الذي منه انقدحت شرارة الأبيات احتفاء بالنصر وتمجيدا للمنتصر، غير أن هذه الأخبار ليست محايدة لأننا ننتزعها من سياق تاريخي رسمي، قد يكون على غير هذه الصورة لو استطلعنا الخبر لدى المؤرخين البيزنطيين مثلا.
من ذلك أن المؤرخ البيزنطي "فاسيلييف" يضيف إلى الحادثة أنه" لمّا قفل تيوفيل بالغنيمة إلى بلاده، هرب من زبطرة جمع من المحرقة دورهم والمسلوبين، وساروا حتى بلغوا قصر الخليفة المعتصم في سامراء، فلما بلغ الخليفة الخبر قفز إلى ظهر جواده، وأعطى الأمر بالنفرة من ساعته"( )
3- بنية القصيدة وأقسامها:
لقد آثر أبو تمام أن يقيم قصيدته على واحد وسبعين بيتا، هي منتهى الكلام على الأفعال، فالشعراء يقولون ما يفعل الآخرون قولا يحوكه البيان، إذ يروم تحقيق قدرة الكلام على تحويل الأشياء تحويلا سحريا تقف عنده اللحظة التاريخية فهي خالدة أبد الآبدين، تعيد إلينا عهدا بعيدا كانت فيه الكلمات تحفّ بطقوس من السحر تقام لاستدعاء النصر والاحتفاء به حتى لا خسر ولا عسر يحيط بفلك الممدوح ومحيطه.
وهذه الأبيات السبعون تستوي بناء متماسكا في القصيدة "فهي تنقسم إلى سبعة أجزاء متساوية تقريبا تتبعها خاتمة"( )، فإذا بنا نقتحم عالم فضاء أسطوري يتواتر فيه رقم سبعة ومضاعفاته تواترا عجيبا ينسجم وأجواء التنجيم وغواية انتظار ما خطـّته الكتب من مواعيد الانتصار المؤجلة، فنحن إذن في سياق ملحمي تتدفق منه سيول الدماء وتجري من تحته أنهار أشلاء الجثث والضحايا في كل مكان.
ولقد يسر ذلك تسريب الحكايات والأخبار التي أضحت جزءا من القصيدة ومكوّنا من مكوّناتها، من ذلك ما يروج من أنه قد "بلغ المعتصم فيما قيل أن امرأة قالت في ذلك اليوم وهي مسبيّة: وا معتصمــاه! فنقل إليه ذلك الحديث وفي يده قدح يريد أن يشرب ما فيه، فوضعه وأمر بأن يحفظ، فلما رجع من فتح عمورية شرب"( ).
هذه الرواية طريفة، وهي تنبئنا بعلاقة قائمة بين الشعر والخبر على قاعدة التبعية "فمن الخبر الذي يأتي حاشية للشعر وشرحا لغوامضه، إلى الخبر الذي يسبق الشعر ولكنه يحكم على نفسه بأن يظل سجين مداره، نجد بعض التطور . ومن علامات هذا التطور التي سيكون لها شأن أن الشعر لم يعد مركزا هامشه الخبر، بل أخذ الخبر يشتد حتى جعل الشعر امتدادا له ومكونا من مكونات بنيته الحدثية" ( ).
إن انزلاق الخبر إلى سياق هذه القصيدة قد استحال أخبارا عديدة تتجاذب أطراف الأبيات، ويمكن اختزالها في عبارة ثقافية دالة، نقترحها في هذا السياق وهي "غواية الانتظار"ونعني بها ما روّج له خطاب التنجيم من ضرورة تأخير الحرب وانتظار موسم العنب والتين لتتفتح حصون عمورية العتيدة، ولقد روي "أن أهل التنجيم كانوا حكموا بأن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسله الروم: إنا نجد في كتبنا أن مدينتنا هذه لا تفتح إلا في وقت التين والعنب، وبيننا وبين ذاك الوقت شهور يمنعك من المقام فيها البرد والثلج. فأبى أن ينصرف، وأكبّ عليها حتى فتحها فأبطل ما قالوه" ( ).
لهذه الرواية إذن كما لتلك سلطان على القصيدة، فقد انبرى الشاعر مصوّرا أجواء انتصار العقل على النقل، وانكسار "جبهة الانتظار" أمام رغبة الانتقام للأرض والعرض " وبهذا فإن وظيفة التخييل في الشعر قد أخذت في التناقص ومقابل ذلك طوّر الرواة وظيفة له أخرى في صلب الخبر هي الإقناع"( ).
وما تودّ أن تقنعنا به الأخبار أوّلها و آخرها، أنّ الممدوح بطل ملحمي يخترق الأقدار فتستجيب لإرادته أيّما استجابة، فإذا هو محض اقتدار والآخر بوار خالص وخسار كامل، تلك هي مجالات القاع الحربي الذي تجوس خلاله القصيدة ومنه تنبثق.
فهذه الحماسية الحربية في مضمونها العام انفتاح بالهجوم على المنجمين (ب1-ب10) لتهافت نبوءاتهم، وانغلاق على مماثلة نصر الخليفة بالنصر الإلهي يوم بدر(ب67- ب71) لما بينهما من صميم النسب وبيّن التصاهر، وبين ذلك أقسام ثلاثة، منها ما يمتدّ من ( ب11- ب22) وما يمسح الأبيات ( ب23- ب36)، كما تتواصل من (ب59- ب66) وهي تشترك جميعها في وصف القتال وتصوير أسر النساء، إضافة إلى قسم رابع تمحّض لمدح الخليفة(ب37- ب49) وقسم خامس خص به الشاعر الحاكم البيزنطي تاوفليس هجاء وسخرية (ب 50- ب 58).
لا تخلو هذه البنية حينئذ من محض التباين والتوازن، ما به تنشأ الحركة وتتناسل أجواء التوتّر، فإذا هي إحاطة بالحرب إحاطة ما قبلية تستدعي أقوال المنجمين للردّ عليها، وإشادة بما بعد الحرب احتفاء بالفتح والفاتح احتفاء قدسيا نكاد نقول أسطوريا.
4- كذب المنجّمون ولو صدقوا:
ليس النظر الذي نرومه استخلاصا لمعاني هذه القصيدة واستقصاء لأقسامها مما يستهدف الجمالية، بقدر ما هو ارتحال من هذا الكون الفني إلى فضاء ثقافي يستبصر قبحيات النص أيضا، فالقصيدة باعتبارها فعلا ثقافيا إنما تجاري النسق وتكرّس الراهن بمختلف مظاهره إيجابيها وسلبيها.
ولو شئنا أن نختزل الخطاب الشعري في هذا القسم الأول منه في جملة ثقافية، لقلنا :
إن الشاعر ههنا ينتصر لثقافة الفعل والعقل في مواجهة ثقافة القول والتنجيم، ولهذا الانتصار صلة بالفكر وصلات بالواقع أوثق وأمتن.
غير أننا لا نودّ أن نتورط في تأويلات تتجاوز حيز النص، وننزلق في " العمى الثقافي" الذي يجرّنا إليه الشاعر، فما يؤسس له خطاب البداية سرعان ما نكتشف أنه نُقض قبل الوسط وما بلغنا النهاية بعد.
فهذا الهجوم الحاد على المنجمين وتزييف أحلامهم ونقض خطابهم الخرافي، يفترض أن يكون قطعا ثقافيا مع مقولة الحظ وأطروحة الغيب التي روّج لها الأعداء، بيد أننا نصادف في سياق مغاير حضورا كثيفا لهذا الحقل الدلالي في "خطاب الانتصار" إذ يؤوب أبو تمام سريعا إلى مفردات "الفأل والنحس والشؤم" حين يرصد أجواء النصر وتجلياّته، أليس هو القائل عن عمورية:
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة إذ غودرت وحشة الساحات والرحب
لقد كان الانتصار على هذا النحو قدرا مقدورا ، وحظا جرى به الفأل، إذ لما أصاب الخراب أنقرة انتقلت العدوى إلى عمورية فانقادت إلى المعتصم، وقد فر الناس ذعرا مما حصل لجارتهم. لقد كانت المدينة حصنا حصينا وفألا حسنا به يتقي الناس ما يصيبهم من أذى الأعداء خارجها فإذا بها نحس وشؤم لا يتقى فارتحل عنها أهلها.
إن هذا الخطاب يجرنا إلى حقيقة المخيال الراسخ في تصورات غيبية، تتعدد أسماؤها والأمر واحد، فما يرفضه الشاعر من قبل المنجمين في البداية ليس رفضا مبدئيا متصديا للفكر الخرافي كما يُتوهّم ، إذ لم يكن السياق الثقافي في عصره يأبى هذا النسق الثقافي، والحال أن علوم الفلك قد ازدهرت عصرئذ ازدهارا لم يتغاض عنه الممدوح نفسه.
ولكننا في حقيقة الأمر بإزاء صراع يدور على الأرض بين خليفة المسلمين وحاكم البيزنطيين، ينزلق إلى سياق القصيدة، فيتبدى مواجهة بين طرفين: يمثل فيه الأول وجها من وجوه الفحولة والبطولة، ويظهر فيه الآخر صورة من صور الإخصاء والهزيمة، ويستنفر في سبيل ذلك مختلف الرموز الثقافية ذات المحمول الفكري والسياسي والجنسي والأدبي.
ولو استنطقنا الخطاب الفاتح لهذه القصيدة لألفينا حركة الصوت تصّاعد من الحلق متكئة على الهمزة متتالية في صدور الأبيات، فتنتصب رايات سامقة، وتمتدّ أفقا دالا على الفحولة، كما أن الحركات بين ضمّة وكسرة ترتحل، ففي الأولى انضمام للشفتين يتشكل في صورة القـُـبلة، وفي الأخرى تنفرج الشفتان فهما في شكل ابتسامة السرور و ارتعاشة النصر.
ولعل دوال "السيوف" و"بيض الصفائح" و"الأرماح اللامعة" لا تخلو ههنا من مدلول حسي، فإذ يسترجع الممدوح أرضا مغتصبة ويستردّ ثغورا موطوءة ويذود عن عرض منتهك إنما يمارس "الفعل الفحولي" الذي به يتشكل كيانا بطوليا، واللغة تسوي بين مفردات موصولة بعالم الأرض وأخرى موثوقة بمجال المرأة.
وقد يجوز لنا في هذا السياق أن نستطلع خبر الأصوات المجاورة، فهي لا تخفي ما فيها من فحيح الشهوة يطل من حرف الحاء (حدّه- الحدّ- الصفائح- الصحائف- الأرماح) وجها من وجوه الانصراف من اللعب إلى الجدّ، وأوبة من الجدّ إلى اللعب. ألم يكن الممدوح في مجلس شراب عنه انصرف تلبية لنداء المرأة الهاشمية، ثم إليه آب تلبية لنداء الرغبة الهامشية في نفسه؟
إن فعل الممدوح الحربي في كل الأحوال متناسل من هذا النداء لا ذلك، غير أن الخبر الذي رافق القصيدة قد امتلك سلطة مرجعية أزاحت ما هو مركزي إلى الهامش وحوّلت في المقابل ذلك الخبر الهامشي بؤرة للصراع .
وليس هذا التأويل الذي نذهب إليه من قبيل الإسقاط، فقد أخبر الشاعر نفسه أن ممدوحه قد جعل الحرب ساحة لسبي نساء كثيرات من بنات الرّوم، وليست تلك الحروف المهموسة إذن من صليل السيوف فحسب، بل نخالها إلى ذلك من همس الجفون وزفير الرغبة الجامحة.
فها هو صوت "السين" و"الصاد" و"الزاي" ينتشر انتشارا منبئا بأن السيوف قد تقاطعت والسلاسل قد تقطـّعت بالقدر الذي يوحي فيه بوهج الرغبة العارمة وعنفوان الألق المنبعث من كؤوس الشرب التي ارتحل عنها الممدوح على ظمأ للارتشاف من أخرى بعد حين.
إن الصراع حينئذ بين زخرف من القول مصدره المنجمون وقد جعله الشاعر محض زيف وادعاء، وزينة من الأفعال أنجزها البطل حقيقة تاريخية وصورها الشاعر حلية شعرية.
ولعله من الطريف أن نشير في هذا المقام إلى أن الشاعر قد صوّر المعركة باعتبارها استجابة لصرخة المرأة، والقصيدة على هذا النحو امتداد لتلك الصرخة تسجلها وتحتفي بالمغيث والمستغيث، فإذا بنا أقرب ما نكون من لحظة الشعر الأولى بما هو صرخة تحوّل الصمت الكائن قبل الكلام صوتا مدوّيا بحضرة الممدوح المتلقي لنشيد الاحتفاء. وقد أكد حسين الواد بأن "ارتفاع الصوت بالكلام بدلا من الاكتفاء بالصرخة هو الأصل الذي ينبجس منه الشعر" ( ).
إن صرخة المرأة إذ تقوم على معنى الاستغاثة أو سواه تستحيل وقودا للشعر، لما تحمله من قوة الأحاسيس والمشاعر، لذلك لا صوت يعلو في هذه القصيدة على صرخة تلك المرأة: "وا معتصمــاه"، بل إنها أخرست كل الأصوات، فكل كلام يذهل عن هذا النداء إن هو إلا "أحاديث ملفقة".
ولا عبرة بصحّة هذه الرواية أو زيفها فقد أضحت من القصيدة ركنا ركينا، رغم ما يقوله زكي المحاسني "بحثت عنها فلم أجد شفاء لغليل، فإن اسمها عند ياقوت بمعجم البلدان ( شرارة العلوية) وهي عند أبي الفداء في تاريخه وعند ابن الأثير في الكامل "امرأة هاشمية". ولم يأبه لها فاسيلييف وسواه ممن رأيت تاريخهم للمعارك العربية الرومية."( )
إن هذا القسم الأول من القصيدة إذن، مقاومة للكلام بالكلام، فقد قال المنجمون ماشاؤوا، غير أن كلامهم في نهاية الأمر بدا خلافا لما شاء وحي الإله، ثم قال أبو تمام ما شاء كلاما على كلام، تسويقا للانتصار وتوثيقا للانكسار، فكان الأول من مقتضيات فتح عمورية، أنجزه المعتصم فعلا لا قولا، والآخر من انفعالات الكذب تورط فيه المنجمون قولا وفعلا، فانبجست الحماسة من قول ذا وفعل ذاك.
5- وما النصر إلا من عند الله:
لما تهاوت بروج المنجمين تفتحت أبواب السماء على مصراعيها مشرعة على الانتصار، فإذا بنا إزاء فتح الفتوح تبسط له الأرض وتـنكتم له الأنفاس وتنحبس العبارة. إنه صورة من صور الملاحم الأسطورية، وبدر جديدة تعيد لزمن المعجزات ألقه وبريقه كما أنبأت بذلك لحظة الختام: (البيت السبعون):
فبين أيامك اللاتي نصرت بها وبين أيام بدر أقرب النسب
ها أن الشاعر يشقق عباراته(فتح الفتوح- فتح تفتح) كما تشقق السماء وتتبرج الأرض فيفوح عبير الانتصار وهو ذو نسب عريق بالدين(بنو الإسلام- المشركون)، وههنا يتبدّى لنا النسق الثقافي مترعا بقيم الفحولة الحربية، فإذا الفتح فتحان: فتح قد ارتحل وهو فتح المسلمين لمكة، فإنه ذو أقداس مقدسة وقد رسخ آية من آيات الكتاب، وآخر قد حلّ وهو فتح عمورية الذي يرومه الشاعر حدثا مقدسا لانتصاره على أخبار الكتب.
في رحم اللغة إذن تتهاوى المسافات بين الديني والدنيوي، والسماوي والأرضي، والملائكي واللائكي، فإذا الممدوح إمام ديني وقائد عسكري لا يعدم بعض صفات النبوّة، فهو المؤيد بالنصر الإلهي إذ يعيد للدين نضارته ولطعم الانتصار حلاوته.
غير أن الطريف أن الشاعر بقدر ما يمعن في الإشادة بمجد الدين يغضي عن مجد العروبة، ولا نتصور ذلك إلا صدى لواقع تولى فيه الأتراك زمام الأمور على حساب العنصر العربي فاستحالت الأمور أعجمية، فلا راية تخفق في نهاية الأمر غير راية الممدوح دون سواه،إذ تنتصب آية فحولة وبطولة.
ولا عجب في ذلك وقد ألح الشاعر على أن يزاوج بين عالمي الحرب والحب، فهو الذي يستدعي عالم الأنثى رمزا للجمال وبديلا عن حومة المعركة، فبدت أرض عمورية في صورة الجارية المتبرجة الجمال، ممتنعة على كسرى الفرس وملوك اليمن جميعا، فلا تزال حينئذ على بكارتها لم يطمثها بعد فارسي ولا يمني، حتى إذا جاءها المعتصم استحال امتناعها إمتاعا، فإذا الدماء تسيل قانية وحارة وجارية حتى ابتلت ذوائب الفرسان.
إن هذه الصور الشهوانية التي انتزعت من عالم الأنثى، تتوزع على امتداد ثمانية عشر بيتا (12- 13- 15- 19- 22- 30- 33- 46- 47- 63- 66 ) وتتراوح هذه الصور بين التقليدية (البيت الثاني عشر) والصور المغربة ( ).
أضف إلى ذلك حقلا دلاليا مكثفا يدور في فلك أنثوي صريح (الخدود- العيون- الحسن- أشهى) وألوانا تنزع إلى رصد مواطن الشهوة تسترا فانكشافا (ظلمة وضياء- بياض وسواد- إشراق وغروب).
فهاهو أبو تمام يتسلل إذن من عالم الصورة الشعرية إلى عالم الصورة الحسية لـتـنكشف لنا عوالم حربية سرعان ما ينسحب منها حرف" الرّاء" لتستحيل شهوة وحبا، فالممدوح لم يكسب أرضا فحسب بل إنه إلى ذلك ظفر بالقدود الملاح من أسيرات الروم "ونلمح في هذه الأبيات مضامين جنسية لافتة للنظر حقا، لاسيما في "السيوف المسلطة" و "المشهرة"(انتديت)وفي كلمة "قضيب""( ):
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت له المنيّة بين السّمر والقضب
هكذا تتداخل عوالم الحرب والحب هنا وهناك، وتتقاطع أجواء اللذة والذلة، وتتزاوج أحوال الخسر والنصر، ولا يميز هذا من ذاك إلا الممدوح اسما ومسمّى: إنه المعتصم بالله، وعاصم الأمة من المذلة، وسيف من سيوف الله مسلول لفتح مغاليق الديار ومستعصيات الثغور.
إن النسق الذي يرسخه خطاب أبي تمام الاحتفالي لا يكاد يغادر الرؤية الفحولية التي ترشح الممدوح بطلا أوحد، تحجب انتصاراته سواه من الأبطال المحاربين، كما يحجب أبو تمام غيره من الشعراء المادحين تماما.
6- لا صوت يعلو فوق صوت المرأة:
لو شئنا أن نقتفي أثر النقد القديم، مستعيرين مفرداته، لقلنا إن بيت القصيد الذي يختزل أركانه ويختزن ألحانه هو ذاك الذي يصوّر الممدوح بطلا مغيثا وقائدا ملبيا نداء الحاجة دون تردّد أو تراخ، ونعني بذلك، البيت القائل:
لبّيت صوتا زبطريّا هرقت له كأس الورى ورضاب الخرّد العُرُب
إن في هذا البيت جماع الفحولة والبطولة، وتزاوج الحب والحرب، فالمعتصم بطل حربي يقتحم المعارك متى رفعت راياتها، بل هو رافعها إن شاء، وهو فحل يقتحم حومة الشهوات ناهلا من كؤوس الحياة ما يقيم به صبوات هاجعة في نفسه.
ولو شئنا أن نستدعي مفردات النقد الثقافي، فإننا نختزل القصيدة في جملة ثقافية "وهي المقابل النوعي للجملتين النحوية والبلاغية" ( ) تدور على اعتبار المرأة محركا للتاريخ، وهي وراء اندلاع الحروب الكبرى، وهذه الجملة "كاشفة للمضمر الثقافي وموجهة له"( )، فقد استحالت هذه الأنثى واجهة الخطاب الحماسي، بل هي الموجّهة له، فما الحرب في نهاية الأمر غير رحلة من ثغر إلى ثغور، وارتحال من كأس إلى بأس:
عداك حرّ الثغور المستضامة عن برد الثغور وعن سلسالها الحصب.
إن هذه المقابلة الظاهرة بين الحرّ والبرد، وهذا الجناس الجلي بين ثغور الحرب وثغور الحبّ مما يكشف دواعي الحرب حقيقة لا مجازا. ولقد أورد التبريزي شرحه لهذا البيت قائلا :"أي صرفك عن برد هذا الرّيق في ثغور الحسان ما في قلبك من أمر الثغور التي أبيحت وتمكّن العدو منها"( ).
ولعل المضمر الثقافي الذي يتستر خلف هذا البديع، أن المعتصم مولع بالثغور يرصدها أنّى كانت، باعتبارها عنوان فحولة وبطولة، فسواء عنده عذوبة الريق أو أن يذيق عدوه عذاب الحرب ويريق دمه، ما دامت النتيجة النهائية واحدة، وهي أن يكون الممدوح رمزا من رموز الرجولة، كما يروّج له الخطاب الثقافي إلى الآن.
على هذا النحو فإن ظاهر الوعي الثقافي بخطورة العرض وشرف الأرض، لم يفلح في إخفاء النزعة الفردية: فالمستغاث به هو المعتصم ( وا معتصمـاه) لا سواه، والمستغاث منه هو قائد البيزنطيين لا غيره، وبين هذا وذاك تظل فحولة الخليفة في الميزان، فإما أن يستنفر لاسترجاعها جهدا جهيدا، وإما أن تنكشف عورة عجزه أمام خصمه فإذا هو في عري ومذلـّة أبد الدهر.
لقد هجر الممدوح امرأة وفراشا إذن وهبّ لإنقاذ امرأة وأرض مفروشة بنساء روميات يسبيهن بلا عدد، فطفق يخصف عليه من توت الحرب أوراقا، حتى تكشفت سوءات البيزنطي فإذا هو لا مال و لا نساء ولا أرض:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس والحَرْبُ مشتقة المعنى من الحَرَبِ
غـدا يصـرّف بالأمـوال جريـتها فعـزّه البـحر ذو الـتـيار والحــدب
ههنا ينزلق خطاب المدح إلى الذم، فالمهجو وقومه قد أضحوا نعاجا لا أسودا، إذ يفرّون من ساحات الحرب فرار الجبان، وقد ظنوا من قبل أنهم مانعتهم حصونهم .
وفي ذلك يقول التبريزي شارحا البيت :"لما رأى تيوفلس الحرب تجري إليه بالرّجال كما تجري السيول بذل للمعتصم أموالا ليرجع عنه فعزّه أي غلبه، يريد المعتصم وجيشه"( ).
ها قد تهاوت مملكة الذكور إذن واحدا واحدا، وظلت مملكة النساء شهوة مؤجّلة، أعرض عنها هناك لتتضاعف له هنا، فلم يكن قطع رقاب رجال الرّوم إلا سببا للثم رقاب الرّوميات:
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها إلى المخدّرة العذراء من سبب
كم أحرزت قضُبُ الهــندي مصـلتة تهتزّ من قضب تهتزّ في كثـُبِ
بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت أحقّ بالبيض أترابا من الحُجُب
هذه الأبيات ولا شك كاشفات لما استتر في أول القصيدة وما تكشّـف إلا تأويلا، وهي متمّم لنواة الجملة الثقافية التي ذكرنا، فقد غدا الرّمز شفافا إلى درجة فاضحة لا واضحة فحسب. فهذا الجمع بين المخدّرة العذراء ( المرأة المصونة البكر) التي تطلب فتدرك ، وقضب الهندي ، والقضب التي تهتزّ، وقد أوّلت سيوفا وأغصانا ونساء، وهو ليس تأويلا بريئا في كل الأحوال، إنما ينـفتح على مشاهد يستدعيها الخيال الخصيب الذي لا يعدم في هذا المقام سَوْرَة الشهوة بل الشهوات.
7- وضعت الحرب أوزارها:
لقد انكشفت سيوف الحرب على ضربين من أوّل القصيدة إلى خاتمتها: سيوف قاطعة للرقاب فهي صادقة النبأ، لا ريب في سطوتها، وسيوف حاضنة للرقاب منقضبة فيها، لا شك في رمزيتها.
ولما اكتملت الرّغبة وانجلت الرّهبة، فقد تحققت للدّين أركانه واستحقّ الخليفة كل عبارات الحمد والثناء، حمدا يليق بمقامه وقد حقق نصرا كنصر بدر. ولئن كان نصر بدر نصرا إلهيا عولج فيه المحاربون بآلاف من الملائكة مسوّمين، فإن نصر عمورية في الأخير يودّ الشاعر لو يعجّل له فيه بآلاف من الدنانير ذهبية، جزاء بلاغته ومبالغته.
وفعلا فقد روي "أنّ أبا تمام قد كوفئ مبلغ ثلاثة وسبعين ألف دينار من الذهب – ألف دينار على كل بيت – مقابل قصيدته في فتح عمورية من الخليفة المعتصم"( ).
ها قد تحقق النصر إذن دفاعا عن الإسلام والمسلمين، أمّا العرب فلا ذكر لهم إلا في آخر المطاف وقد تبوّؤوا من المنازل آخرها، ألا يؤول الكلام تنزيها للعرب من اصفرار الوجه لأنهم ما خاضوا حربا ليكونوا كبني الأصفر، ولا واجهوا عدوّا بل همشوا في الواقع؟ ( ) وكذا كانوا من القصيدة هامشها الأخير، بل عجز بيتها الأخير، بما يحيل عليه العجز من مدلول العجز والتأخير معا .
ألا يكون فتح عمورية بذلك فتوحات : فتح حربي وفتح بلاغي وفتح تأويلي، تتقاطع جميعها ليستحيل النص ملحميا بالمعنى الذي يخلد فيه بعض مجد جماعي بالقدر الذي يعمل فيه على اختزان مجد القائد الفرد الذي لا شريك له بطولة وفحولة .
الخاتـــمة:
لقد استوت الحماسة في هذه القصيدة بابا من أبواب الشعر دفاقا، نهض به الشاعر المادح فاستغرق من المعاني أوفاها، واستنفر من المشاعر أرقاها، مستجيبا لذائقة شعرية تروم المجاز وذائقة ثقافية تمور بقصص الإعجاز .
ولقد رصدنا جدلا عاتيا بين الحرب والحب، بدا من خلاله الشاعر مداحا يرغب في إمتاع ممدوحه رغبته في إمتاع قارئه أو سامعه، فصوّر المعتصم بين يدي أرض موطوءة يقتحمها بسيوفه مجترحا بكر السبيل، فإذا هو في لذة ونصر ملبيا فيه نداء الاستغاثة ومستجيبا لقدر الحياة في الفعل والإرادة.
وإلى ذلك لا يكاد الشاعر يتجاوز بخياله ذات الممدوح، وهو يتهيأ لعطائه، فيصوّره كيانا فرديا ظافرا وفحلا من الرجال مقتدرا يحجب من دونه من الرجال، وذاك ما يرسّخه شعر الحماسة باعتباره يدور في فلك رسمي، فهو حينئذ إشادة بالبطل أكثر منه نشيد بطولة . ولا عجب مادام البطل قدرا إلهيا يستعيد صورا ملحمية تنحت مسيرة الفرد لا سيرة الجماعة.
إن شرف المقاربة الثقافية التي خضنا أنها تكشف مخاتلات المقاربة الجمالية التي تجزئ النص فتغضي عن أبعاده غير اللغوية، وتكرّس "العمى الثقافي" إزاء الواقع بمختلف أبعاده. ولو رمنا أن نختزل القصيدة في جمل ثقافية لألفيناها جملا ثلاثا بها تأسّس النص، وهي:
1- ثقافة الانتصار تصنع البطولات العظيمة لا ثقافة الانكسار والانتظار.
2- المرأة قادح الحروب و باعث شرارتها الأولى.
3- تاريخ البطولات سيرة أفراد لا مسيرة جماعات.
على هذا النحو إذن نفهم قصيدة فتح عمورية صرخة شعرية مدويّة، وصخرة أدبية راسخة في أديم البلاغة والإبلاغ معا، فإن نحن رمنا تـنقيرها من جهة واحدة أبت وتمنّعت، وإن أحطنا به كلها انقادت واستجابت كأجمل ما يكون الانقياد.

إعداد:الأستاذ: جمال بوعجاجة معهد منزل بورقيبة

منقول عن تونيزيا سكول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hiwarmadrassi.forumactif.com/forum.htm
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: أبو تمام   2011-10-08, 00:07

من فضلكم اريد اهم ملامح صورة القائد المنتصر في القصائد الحماسية لابي تمام و شكرا
تحية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: أبو تمام   2011-10-09, 22:03

هل يوجد تحليلا ادبيا لقصيدة بذَّ الجلادُ البذَّ فهوَ دفينُ ارجوكم اريد ردا سريعا و شكككككككررررررااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: أبو تمام   2011-10-11, 04:42

j'attand votre aide svpppppppppppp
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

أبو تمام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المعرفة للجميع ::  ::  :: -